« نحن أهل البيت لايقاس بنا أحد »
« نحن أهل البيت لايقاس بنا أحد »

اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد وآل محمد، كما جعلتها على آل إبراهيم إنك حميد مجيد


أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

وثائق في حيا ة الامام الرضا عليه السلام

اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

Admin


Admin
وثائق هامة




1 ـ رسالة الفضل بن سهل إلى الإمام (عليه السلام).

2 ـ وثيقة ولاية العهد.

3 ـ رسالة المأمون إلى العباسيين.

4 ـ رسالة عبد الله بن موسى إلى المأمون.

5 ـ رسالة سفيان إلى هارون.

قصيدة الأمير أبي فراس الحمداني.

الصفحة 444
الصفحة 445

رسالة الفضل بن سهل إلى الإمام (عليه السلام)

هذه الرسالة:

هذه الرسالة هي التي أرسلها الفضل بن سهل إلى الإمام (عليه السلام)، يطلب فيها منه القدوم، من أجل عقد ولاية العهد له..

وقد اطلعت عليها في وقت متأخر، وتحدثت عن بعض ما يمكن استخلاصه منها في بعض فصول الكتاب.

ونظراً لأهميتها.. فقد آثرت أن أجعلها مع الوثائق الهامة، ليطلع عليها القارئ بنفسه.

وقد أورد هذه الرسالة أبو القاسم عبد الكريم بن محمد، بن عبد الكريم الرافعي، الشافعي، القزويني المتوفى سنة 623 ه‍. في كتابه: «التدوين».

والكتاب موجود منه نسختان خطيتان: إحداهما في مكتبة «ناصرية» القسم الثاني رقم 782 في لكنهو. والأخرى: خطية أيضاً موجودة في الإسكندرية.. وهناك نسختان مصورتان عنهما:

إحداهما: في دفتر تبليغات إسلامي في قم مصورة عن نسخة لكنهو.

والأخرى: في مكتبة المرعشي النجفي العامة في قم مصورة في طهران عن نسخة الإسكندرية.

الصفحة 446
وهي في النسخة المصورة عن لكنهو موجودة في المجلد الثاني. وفي المصورة عن مكتبة الإسكندرية موجودة في ج 4 ص 51. ونقلها عن هذه النسخة السيد المرعشي النجفي في ج 12 من ملحقات الاحقاق ص 381، 382:

نص الرسالة:

قال في التدوين: والنص لنسخة: لكنهو: ولما عزم المأمون على تفويض العهد إليه [أي إلى الرضا]، بسعي ذي الرياستين الفضل بن سهل.. كتب إليه ذو الرياستين:

بسم الله الرحمن الرحيم
لعلي بن موسى الرضا، وابن رسول الله المصطفى، المهتدى بهديه، المقتدى بفعله، الحافظ لدين الله، الخازن لوحي الله، من وليه الفضل ابن سهل، الذي بذل في رد حقه إليه مهجته، ووصل ليله فيه بنهاره..

سلام عليك أيها المهتدي ورحمة الله وبركاته.

فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله.

أما بعد:

فإني أرجو أن الله قد أدى لك، وأذن لك في ارتجاع حقك ممن استضعفك، وأن يعظم مننه عليك، وأن يجعلك الإمام الوارث. ويري أعداك، ومن رغب عنك، منك ما كانوا يحذرون..

وإن كتابي هذا عن إزماع من أمير المؤمنين، عبد الله الإمام المأمون
الصفحة 447
ومني: على رد مظلمتك عليك، وإثبات حقوقك في يديك، والتخلي منها إليك، على ما أسأل الله الذي وقف عليه: أن تبلغني ما أكون بها أسعد العالمين، وعند الله من الفائزين، ولحق رسول الله من المؤدين. ولك عليه من المعاونين، حتى أبلغ في توليتك ودولتك كلتا الحسنتين(1).

فإذا أتاك كتابي ـ جعلت فداك ـ وأمكنك أن لا تضعه من يدك، حتى تسير إلى باب أمير المؤمنين، الذي يراك شريكاً في أمره، وشفيعاً في نسبه، وأولى الناس بما تحت يده.. فعلت ما أنا بخيرة الله محفوفاً، وبملايكته محفوظاً، وبكلاءته محروساً. وإن الله كفيل لك بكل ما يجمع حسن العائدة عليك، وصلاح الأمة بك.

وحسبنا الله ونعم الوكيل، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته..

وكتبت بخطي.

____________

(1) الظاهر أنها: الحسنيين، لأنها اقتباس من الآية الكريمة..

الصفحة 448

وثيقة ولاية العهد

مصادر الوثيقة:

نذكر من المصادر التي أوردت هذه الوثيقة، على سبيل المثال لا الحصر:

القلقشندي في صبح الأعشى ج 9 من ص 362، إلى ص 366، وأكملها بذكر ما كتبه الرضا (عليه السلام) والشهود في نفس الجزء من 391 وحتى 393، وأوردها أيضاً في مآثر الإنافة في معالم الخلافة ج 2 من ص 325 حتى ص 336، وهي أيضاً في شرح ميمية أبي فراس من 299 إلى 303، وفي نور الأبصار 142، 143، وفي البحار ج 49 ص 148، إلى 153 ومسند الإمام الرضا ج 1 قسم 1 من ص 102 إلى ص 107، والفصول المهمة لابن الصباغ ابتداء من ص 293.

ووسيلة النجاة لمحمد مبين الهندي ابتداء من ص 387، طبع لكنهو، ورواها أيضاً الكاشاني في معادن الحكمة، والشبراوي في الإتحاف بحب الأشراف مختصراً وابن شهرآشوب في مناقب آل أبي طالب، والإربلي في كشف الغمة، والسيد الأمين في المجالس السنية، وأعيان الشيعة، وابن الجوزي في التذكرة، وذكر الأخيران إنها قد ذكرها عامة المؤرخين، وعن التفتازاني إن الوثيقة كانت موجودة في عهده، والإربلي أيضاً يقول
الصفحة 449
بأنها كانت موجودة في عهده، وأنه في سنة سبعين وستماية اطلع على وثيقة العهد الأصلية، ونقلها في كتابه حرفاً فحرفاً.. وأشار إليها أيضاً ابن الطقطقي في الفخري في الآداب السلطانية.

وغير هؤلاء كثير. ونحن نذكر الوثيقة موافقة لما في صبح الأعشى، ومآثر الإنافة، فنقول:

نص الوثيقة

بسم الله الرحمن الرحيم
هذا كتاب كتبه عبد الله بن هارون الرشيد، أمير المؤمنين، لعلي بن موسى بن جعفر، ولي عهده.

أما بعد:

فإن الله عز وجل اصطفى الإسلام ديناً، واصطفى من عباده رسلاً دالين عليه، وهادين إليه، يبشر أولهم بآخرهم. ويصدق تاليهم ماضيهم، حتى انتهت نبوة الله إلى محمد (صلى الله عليه وآله)، على فترة من الرسل، ودروس من العلم، وانقطاع من الوحي، واقتراب من الساعة، فختم الله به النبيين، وجعله شاهداً لهم، ومهيمناً عليهم. وأنزل عليه كتابه العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، بما أحل وحرم، ووعد وأوعد، وحذر وأنذر، وأمر به، ونهى عنه، لتكون له الحجة البالغة على خلقه، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة، وإن الله لسميع عليم.

فبلغ عن الله رسالته، ودعا إلى سبيله بما أمره به: من الحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة التي هي أحسن، ثم بالجهاد والغلظة،
الصفحة 450
حتى قبضه الله إليه، واختار له ما عنده (صلى الله عليه وآله)، فلما انقضت النبوة، وختم الله بمحمد (صلى الله عليه وآله) الوحي والرسالة، جعل قوام الدين، ونظام أمر المسلمين بالخلافة، وإتمامها وعزها، والقيام بحق الله فيها بالطاعة، التي يقام بها فرائض الله تعالى وحدوده، وشرائع الإسلام وسننه، ويجاهد بها عدوه.

فعلى خلفاء الله طاعته فيما استحفظهم واسترعاهم من دينه وعباده، وعلى المسلمين طاعة خلفائهم، ومعاونتهم على إقامة حق الله وعدله، وأمن السبيل، وحقن الدماء، وصلاح ذات البين، وجمع الألفة، وفي خلاف ذلك اضطراب حبل المسلمين، واختلالهم، واختلاف ملتهم، وقهر دينهم، واستعلاء عدوهم، وتفرق الكلمة، وخسران الدنيا والآخرة.

فحق على من استخلفه الله في أرضه، وائتمنه على خلقه، أن يجهد الله نفسه، ويؤثر ما فيه رضا الله وطاعته، ويعتد لما الله مواقفه عليه، ومسائله عنه، ويحكم بالحق، ويعمل بالعدل فيما أحله الله وقلده، فإن الله عز وجل يقول لنبيه داود: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى، فيضلك عن سبيل الله، إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب) .

وقال الله عز وجل: (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون)، وبلغنا أن عمر بن الخطاب قال: «لو ضاعت سخلة بشاطئ الفرات، لتخوفت أن يسألني الله عنها».

وأيم الله، إن المسؤول عن خاصة نفسه، الموقوف على عمله فيما بينه وبين الله، ليعرض على أمر كبير، وعلى خطر عظيم، فكيف بالمسؤول عن رعاية الأمة، وبالله الثقة. وإليه المفزع والرغبة في التوفيق والعصمة، والتسديد والهداية إلى ما فيه ثبوت الحجة، والفوز من الله بالرضوان والرحمة..

الصفحة 451
وأنظر الأمة لنفسه، وأنصحهم لله في دينه وعباده، من خلائقه في أرضه، من عمل بطاعة الله وكتابه، وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) في مدة أيامه، وبعدها، وأجهد رأيه فيمن يوليه عهده، ويختاره لإمامة المسلمين ورعايتهم بعده، وينصبه علماً لهم. ومفزعا في جمع ألفتهم. ولم شعثهم، وحقن دمائهم، والأمن بإذن الله من فرقتهم. وفساد ذات بينهم واختلافهم، ورفع نزغ الشيطان وكيد عنهم، فإن الله عز وجل جعل العهد بعد الخلافة من تمام الإسلام وكماله، وعزه، وصلاح أهله، وألهم خلفاءه من توكيده لمن يختارونه له من بعدهم ما عظمت به النعمة، وشملت فيه العافية، ونقض الله بذلك مكر أهل الشقاق والعداوة، والسعي والفرقة، والتربص للفتنة.

ولم يزل أمير المؤمنين منذ أفضت إليه الخلافة، فاختبر بشاعة مذاقها، وثقل محملها، وشدة مؤونتها، وما يجب على من تقلدها من ارتباط طاعة الله، ومراقبته فيما حمله منها. فأنصب بدنه، وأسهر عينه، وأطال فكره فيما فيه عز الدين، وقمع المشركين، وصلاح الأمة، ونشر العدل، وإقامة الكتاب والسنة، ومنعه ذلك من الخفض والدعة، ومهنأ العيش، علما بما الله سائله عنه، ومحبة أن يلقى الله مناصحا له في دينه، وعباده، ومختاراً لولاية عهده. ورعاية الأمة من بعده: أفضل من يقدر عليه: في دينه وورعه، وعلمه، وأرجاهم للقيام في أمر الله وحقه، مناجياً بالاستخارة في ذلك. ومسألته إلهامه ما فيه رضاه وطاعته، في آناء ليله ونهاره. معملاً في طلبه والتماسه في أهل بيته: من ولد عبد الله بن العباس، وعلي بن أبي طالب فكره، ونظره. مقتصراً ممن علم حاله ومذهبه منهم على علمه، وبالغاً في المسألة عمن خفي عليه أمره جهده وطاقته.. حتى استقصى أمورهم معرفة، وابتلى أخبارهم مشاهدة، استبرأ أحوالهم معاينة، وكشف ما عندهم مسألة، فكان خيرته بعد
الصفحة 452
استخارته الله، وإجهاده نفسه في قضاء حقه في عباده وبلاده في البيتين جميعاً:

علي بن موسى، بن جعفر، بن محمـــــد
ابن علي، بن الحسين، بن علي، بن أبي طالب
لما رأى من فضله البارع، وعلمه النافع، وورعه الظاهر، وزهده الخالص، وتخليه من الدنيا، وتسلمه من الناس..

وقد استبان له ما لم تزل الأخبار عليه متواطئة، والألسن عليه متفقة، والكلمة فيه جامعة، ولما لم يزل يعرفه به من الفضل: يافعاً، وناشئاً، وحدثاً، ومكتهلاً، فعقد له بالعقد والخلافة من بعده(1).

واثقاً بخيرة الله في ذلك. إذ علم الله أنه فعله إيثاراً له، وللدين، ونظراً للإسلام والمسلمين، وطلباً للسلامة، وثبات الحجة، والنجاة في اليوم الذي يقوم الناس فيه لرب العالمين.

ودعا أمير المؤمنين ولده، وأهل بيته، وخاصته، وقواده، وخدمه فبايعوا مسارعين مسرورين، عالمين بإيثار أمير المؤمنين طاعة الله على الهوى في ولده وغيرهم. ممن هو أشبك منه رحماً، وأقرب قرابة.

وسماه «الرضا»(2) إذ كان رضا عند أمير المؤمنين

____________

(1) في بعض نسخ كشف الغمة في الهامش: أنه (عليه السلام) كتب بقلمه الشريف تحت قوله: «والخلافة من بعده» قوله: «بل جعلت فداك».

(2) في بعض نسخ كشف الغمة في الهامش: أنه (عليه السلام) كتب بقلمه الشريف تحت كلمة: «الرضا» قوله: «رضي الله عنك وأرضاك، وأحسن في الدارين جزاك» وفي أخرى: أنه كتب تحت ذكر اسمه (عليه السلام) بقلمه الشريف: «وصلتك رحم، وجزيت خيراً»، وكتب بقلمه الشريف تحت الثناء عليه: «أثنى الله عليك فأجمل، وأجزل لديك الثواب فأكمل».

فبايعوا معشر أهل بيت أمير المؤمنين، ومن بالمدينة المحروسة، من قواده وجنده، وعامة المسلمين، لأمير المؤمنين، وللرضا من بعده علي ابن موسى على اسمه وبركته، وحسن قضائه لدينه وعباده، بيعة مبسوطة إليها أيديكم، منشرحة لها صدوركم. عالمين بما أراد أمير المؤمنين، بها، وآثر طاعة الله، والنظر لنفسه ولكم فيها، شاكرين الله على ما ألهم أمير المؤمنين بها: من قضاء حقه في رعايتكم، وحرصه على رشدكم وصلاحكم، راجين عائدة ذلك في جمع ألفتكم، وحقن دمائكم، ولم شعثكم، وسد ثغوركم، وقوة دينكم، ورغم عدوكم، واستقامة أموركم.
وسارعوا إلى طاعة الله، وطاعة أمير المؤمنين، فإنه الأمن إن سارعتم إليه، وحمدتم الله عليه، عرفتم الحظ فيه إن شاء الله.

وكتب بيده يوم الاثنين، لسبع خلون من شهر رمضان، سنة إحدى ومائتين.

قال القلقشندي: «ثم إنه تقدم إلى علي بن موسى، وقال له: اكتب خطك بقبول هذا العهد، وأشهد الله، والحاضرين عليك بما تعده في حق الله، ورعاية المسلمين، فكتب علي الرضا تحته إلخ».

صورة ما كان على ظهر العهد، بخط الإمام علي بن موسى الرضا (عليهما السلام)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الفعال لما يشاء، ولا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور. وصلاته على نبيه محمد، خاتم النبيين، وآله الطيبين الطاهرين.

أقول ـ وأنا علي بن موسى الرضا بن جعفر ـ: إن أمير المؤمنين عضده الله بالسداد، ووفقه للرشاد، عرف من حقنا ما جهله غيره،
الصفحة 454
فوصل أرحاماً قطعت، وأمن أنفساً فزعت، بل أحياها وقد تلفت، وأغناها إذ افتقرت، مبتغياً رضا رب العالمين، لا يريد جزاء من غيره، وسيجزي الله الشاكرين، ولا يضيع أجر المحسنين..

وإنه جعل إلي عهده، والإمرة الكبرى ـ إن بقيت ـ بعده، فمن حل عقدة أمر الله بشدها، وفصم عروة أحب الله إيثاقها، فقد أباح الله حريمه، وأحل محرمه، إذ كان بذلك زارياً على الإمام، منتهكاً حرمة الإسلام. بذلك جرى السالف، فصبر منه على الفلتات، ولم يعترض على العزمات، خوفاً من شتات الدين، واضطراب حبل المسلمين، ولقرب أمر الجاهلية، ورصد فرصة تنتهز، وبايقة تبتدر..

وقد جعلت الله على نفسي، إن استرعاني أمر المسلمين، وقلدني خلافته: العمل فيهم عامة، وفي بني العباس بن عبد المطلب خاصة بطاعته، وطاعة رسوله (صلى الله عليه وآله) وأن لا أسفك دماً حراماً، ولا أبيح فرجاً. ولا مالاً، إلا ما سفكته حدود الله، وأباحته فرائضه. وأن أتخير الكفاة جهدي وطاقتي، وجعلت بذلك على نفسي عهده مؤكداً، يسألني الله عنه، فإنه عز وجل يقول: (وأوفوا بالعهد، إن العهد كان مسؤولاً).

وإن أحدثت، أو غيرت، أو بدلت، كنت للغير مستحقاً، وللنكال متعرضاً. وأعوذ بالله من سخطه. وإليه أرغب في التوفيق لطاعته، والحول بيني وبين معصيته، في عافية لي وللمسلمين.

والجامعة والجفر يدلان على ضد ذلك، وما أدري ما يفعل بي ولا بكم. إن الحكم إلا لله، يقضي بالحق(1)، وهو خير الفاصلين..

____________

(1) الظاهر أن الصواب هو «يقص الحق» كما في معالم الإنافة.

الصفحة 455
لكنني امتثلت أمر أمير المؤمنين، وآثرت رضاه، والله يعصمني وإياه، وأشهدت الله على نفسي بذلك، وكفى بالله شهيداً..

وكتبت بخطي، بحضرة أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، والفضل ابن سهل، وسهل بن الفضل، ويحيى بن أكثم، وعبد الله بن طاهر، وثمامة بن أشرس، وبشر بن المعتمر، وحماد بن النعمان، في شهر رمضان، سنة إحدى ومائتين.

الشهود على الجانب الأيمن:

شهد يحيى بن أكثم على مضمون هذا المكتوب، ظهره، وبطنه. وهو يسأل الله: أن يعرف أمير المؤمنين، وكافة المسلمين ببركة هذا العهد، والميثاق. وكتب بخطه في تاريخ المبين فيه..

عبد الله بن طاهر بن الحسين، أثبت شهادته فيه بتاريخه.

شهد حماد بن النعمان بمضمونه: ظهره وبطنه، وكتب بيده في تاريخه بشر بن المعتمر يشهد بمثل ذلك.

الشهود على الجانب الأيسر:

رسم أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه قراءة هذه الصحيفة. التي هي صحيفة الميثاق. نرجو أن نجوز بها الصراط، ظهرها وبطنها، بحرم سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بين الروضة والمنبر، على رؤوس الأشهاد، بمرأى ومسمع من وجوه بني هاشم، وساير الأولياء والأجناد، بعد استيفاء شروط البيعة عليهم، بما أوجب أمير المؤمنين الحجة به على جميع
الصفحة 456
المسلمين، ولتبطل الشبهة التي كانت اعترضت آراء الجاهلين: «وما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه».

وكتب الفضل بن سهل بأمر أمير المؤمنين بالتاريخ فيه(1).



إنتهى..



____________

(1) وفي هامش نسخة مصححة قال: مصححها: «قال العبد الفقير إلى الله تعالى، الفضل بن يحيى عفى الله عنه: قابلت المكتوب الذي كتبه الإمام علي بن موسى الرضا صلوات الله عليه، وعلى آبائه الطاهرين بأصله الذي كتبه الإمام المذكور (عليه السلام) بيده الشريفة، حرفاً فحرفاً. وألحقت ما فات منه، وذكرت أنه من خطه. وذلك يوم الثلاثاء، مستهل المحرم، من سنة تسع وتسعين وست مأة الهلالية بواسط، والحمد لله، وله المنة» انتهى أقول: والذي ألحقه هو ما قدمناه في هوامش الصفحات المتقدمة..

الصفحة 457

رسالة المأمون إلى العباسيين

مصادر الكتاب:

هذا الكتاب مذكور في طرائف ابن طاووس، الترجمة الفارسية من ص 131، إلى ص 135، نقلاً عن كتاب نديم الفريد، لابن مسكويه، صاحب كتاب حوادث الإسلام.. وفي البحار للعلامة المجلسي ج 49 من ص 208 إلى ص 214، وفي قاموس الرجال ج 10 ص 356، إلى 360، وفي ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص 484، 485 مختصراً، ونقل في الغدير ج 1 ص 212 قسما منه عن عبقات الأنوار للهندي ج 1 ص 147، وأشار إليه غير واحد من المؤلفين.

نص الكتاب:

كتب العباسيون كتاباً إلى المأمون، وطلبوا منه الإجابة عليه، فأجابهم بما يلي:

بسم الله الرحمن الرحيم
«والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآل محمد. على رغم أنف الراغمين..

الصفحة 458
أما بعد:

عرف المأمون كتابكم، وتدبير أمركم. ومخض زبدتكم. وأشرف على قلوب صغيركم وكبيركم، وعرفكم مقبلين ومدبرين، وما آل إليه كتابكم قبل كتابكم. في مراوضة الباطل، وصرف وجوه الحق عن مواضعها، ونبذكم كتاب الله والآثار، وكلما جاءكم به الصادق محمد (عليه السلام)، حتى كأنكم من الأمم السالفة، التي هلكت بالخسفة، والغرق، والريح، والصيحة، والصواعق، والرجم..

أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟. والذي هو أقرب إلى المأمون من حبل الوريد، لولا أن يقول قائل: إن المأمون ترك الجواب عجزا لما أجبتكم، من سوء أخلاقكم، وقلة أخطاركم. وركاكة عقولكم، ومن سخافة ما تأوون إليه من آرائكم، فليستمع مستمع، فليبلغ شاهد غائباً..

أما بعد:

فإن الله تعالى بعث محمداً على فترة من الرسل، وقريش في أنفسها، وأموالها، لا يرون أحداً يساميهم، ولا يباريهم، فكان نبينا (صلى الله عليه وآله) أميناً من أوسطهم بيتاً، وأقلهم مالاً، فكان أول من آمن به خديجة بنت خويلد، فواسته بمالها. ثم آمن به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سبع سنين، لم يشرك بالله شيئاً طرفة عين، ولم يعبد وثناً، ولم يأكل رباً، ولم يشاكل الجاهلية في جهالاتهم، وكانت عمومة رسول الله إما مسلم مهين، أو كافر معاند، إلا حمزة فإنه لم يمتنع من الإسلام، ولا يمتنع الإسلام منه، فمضى لسبيله على بينة من ربه.

وأما أبو طالب: فإنه كفله ورباه، ولم يزل مدافعاً عنه، ومانعاً منه، فلما قبض الله أبا طالب، فهم القوم، وأجمعوا عليه ليقتلوه،
الصفحة 459
فهاجر إلى القوم الذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم. يحبون من هاجر إليهم. ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون.

فلم يقم مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحد من المهاجرين كقيام علي بن أبي طالب (عليه السلام): فإنه آزره ووقاه بنفسه، ونام في مضجعه. ثم لم يزل بعد مستمسكاً بأطراف الثغور، وينازل الأبطال، ولا ينكل عن قرن، ولا يولي عن جيش، منيع القلب، يؤمر على الجميع، ولا يؤمر عليه أحد. أشد الناس وطأة على المشركين، وأعظمهم جهاداً في الله، وأفقههم في دين الله، وأقرأهم لكتاب الله، وأعرفهم بالحلال والحرام.

وهو صاحب الولاية في حديث «غدير خم» وصاحب قوله: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي» وصاحب يوم الطائف، وكان أحب الخلق إلى الله تعالى، وإلى رسول الله (صلى الله عليه وآله). وصاحب الباب، فتح له، وسد أبواب المسجد. وهو صاحب الراية يوم خبير. وصاحب عمرو بن عبد ود في المبارزة. وأخو رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين آخى بين المسلمين.

وهو منيع جزيل. وهو صاحب آية: (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً، ويتيماً، وأسيراً). وهو زوج فاطمة سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء أهل الجنة، وهو ختن خديجة (عليه السلام). وهو ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، رباه وكفله. وهو ابن أبي طالب في نصرته وجهاده. وهو نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله) في يوم المباهلة.

وهو الذي لم يكن أبو بكر وعمر ينفذان أمراً حتى يسألانه عنه، فما رأى إنفاذه أنفذاه، وما لم يراه رداه. وهو دخل من بني هاشم في
الصفحة 460
الشورى، ولعمري لو قدر أصحابه على دفعه(1) عنه (عليه السلام)، كما دفع العباس رضوان الله عليه، ووجدوا إلى ذلك سبيلاً لدفعوه.

فأما تقديمكم العباس عليه، فإن الله تعالى يقول: (أجعلتم سقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر، وجاهد في سبيل الله، لا يستوون عند الله).

والله، لو كان ما في أمير المؤمنين من المناقب والفضائل، والآي المفسرة في القرآن خلة واحدة في رجل من رجالكم. أو غيره، لكان مستأهلاً متأهلاً للخلافة، مقدماً على أصحاب رسول الله بتلك الخلة.

ثم لم يزل الأمور تتراقى به إلى أن ولي أمور المسلمين، فلم يعن بأحد من بني هاشم إلا بعبد الله بن عباس، تعظيماً لحقه، ووصلة لرحمه، وثقة به، فكان من أمره الذي يغفر الله له..

ثم.. نحن وهم يد واحدة ـ كما زعمتم ـ حتى قضى الله تعالى بالأمر إلينا، فأخفناهم. وضيقنا عليهم، وقتلناهم أكثر من قتل بني أمية إياهم.. ويحكم، إن بني أمية إنما قتلوا من سل منهم سيفاً، وإنا معشر بني العباس قتلناهم جملاً، فلتسألن أعظم الهاشمية بأي ذنب قتلت، ولتسألن نفوس ألقيت في دجلة والفرات، ونفوس دفنت بغداد والكوفة أحياء، هيهات، إنه من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره..

وأما ما وصفتم في أمر المخلوع، وما كان فيه من لبس، فلعمري ما لبس عليه أحد غيركم، إذ هونتم عليه النكث، وزينتم له الغدر، وقلتم له: ما عسى أن يكون من أمر أخيك، وهو رجل مغرب، ومعك الأموال والرجال، نبعث إليه، فيؤتى به، فكذبتم، ودبرتم،

____________

(1) في الترجمة الفارسية هكذا: «على دفع علي (عليه السلام) عنها إلخ».

الصفحة 461
ونسيتم قول الله تعالى: (ومن بغي عليه لينصرنه الله..).

وأما ما ذكرتم: من استبصار المأمون في البيعة لأبي الحسن الرضا (عليه السلام)، فما بايع له المأمون إلا مستبصرا في أمره، عالما بأنه لم يبق أحد على ظهرها أبين فضلاً، ولا أظهر عفة، ولا أورع ورعاً، ولا أزهد زهداً في الدنيا، ولا أطلق نفساً، ولا أرضى في الخاصة والعامة، ولا أشد في ذات الله منه. وإن البيعة له لموافقة رضا الرب عز وجل. ولقد جهدت وما أجد في الله لومة لائم.

ولعمري، لو كانت بيعتي بيعة محاباة، لكان العباس ابني، وسائر ولدي أحب إلى قلبي، وأجلى في عيني، ولكن أردت أمراً، وأراد الله أمراً، فلم يسبق أمري أمر الله وأما ما ذكرتم: مما مسكم من الجفاء في ولايتي: فلعمري ما كان ذلك إلا منكم بمظافرتكم عليه، علي [خ د] وممايلتكم إياه، فلما قتلته وتفرقتم عباديد، فطوراً أتباعاً لابن أبي خالد، وطوراً أتباعاً لأعرابي، وطوراً أتباعاً لابن شكلة، ثم لكل من سل سيفاً علي، ولولا أن شيمتي العفو، وطبيعتي التجاوز ما تركت على وجهها منكم أحداً، فكلكم حلال الدم، محل بنفسه.

وأما ما سألتم: من البيعة للعباس ابني.. أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟! ويلكم، إن العباس غلام حدث السن، ولم يؤنس رشده، ولم يمهل وحده، ولم تحكمه التجارب. تدبره النساء، وتكفله الإماء، ثم.. لم يتفقه في الدين، ولم يعرف حلال من حرام، إلا معرفة لا تأتي به رعية، ولا تقوم به حجة، ولو كان مستأهلاً، قد أحكمته التجارب، وتفقه في الدين، وبلغ مبلغ أمير العدل في الزهد في الدنيا، وصرف النفس عنها.. ما كان له عندي في الخلافة، إلا ما كان لرجل من عك وحمير، فلا تكثروا من هذا المقال، فإن لساني لم
الصفحة 462
يزل مخزوناً عن أمور وأنباء، كراهية أن تخنث النفوس عندما تنكشف، علماً بأن الله بالغ أمره، ومظهر قضاه يوماً.

فإذ أبيتم إلا كشف الغطاء، وقشر العظاء، فالرشيد أخبرني عن آبائه، وعما وجده في كتاب الدولة، وغيرها: أن السابع من ولد العباس، ولا تقوم لبني العباس بعده قائمة، ولا تزال النعمة متعلقة عليهم بحياته، فإذا أودعت فودعها، فإذا أودع فودعاها، وإذا فقدتم شخصي، فاطلبوا لأنفسكم معقلاً، وهيهات، ما لكم إلا السيف، يأتيكم الحسني الثائر البائر، فيحصدكم حصداً، أو السفياني المرغم، والقائم المهدي لا يحقن دماءكم إلا بحقها.

وأما ما كنت أردته من البيعة لعلي بن موسى، بعد استحقاق منه لها في نفسه، واختيار مني له، فما كان ذلك مني إلا أن أكون الحاقن لدمائكم، والذائد عنكم، باستدامة المودة بيننا وبينهم. وهي الطريق أسلكها في إكرام آل أبي طالب، ومواساتهم في الفيئ بيسير ما يصيبهم منه.

وإن تزعموا: أني أردت أن يؤول إليهم عاقبة ومنفعة، فإني في تدبيركم، والنظر لكم ولعقبكم، وأنبائكم من بعدكم.. وأنتم ساهون، لاهون، تائهون، في غمرة تعمهون، لا تعلمون ما يراد بكم، وما أظللتم عليه من النقمة، وابتزاز النعمة. همة أحدكم أن يمسي مركوباً، ويصبح مخموراً تباهون بالمعاصي، وتبتهجون بها، وآلهتكم البرابط، مخنثون. مؤنثون لا يتفكر متفكر منكم في إصلاح معيشة، ولا استدامة نعمة، ولا اصطناع مكرمة، ولا كسب حسنة يمد بها عنقه، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

أضعتم الصلاة، واتبعتم الشهوات، وأكببتم على اللذات، فسوف تلقون غياً. وأيم الله، لربما أفكر في أمركم. فلا أجد أمة من الأمم استحقوا
الصفحة 463
العذاب، حتى نزل بهم لخلة من الخلال، إلا أصيب تلك الخلة بعينها فيكم، مع خلال كثيرة، لم أكن أظن أن إبليس اهتدى إليها، ولا أمر بالعمل بها. وقد أخبر الله تعالى في كتابه العزيز عن قوم صالح: أنه كان فيهم تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فأيكم ليس معه تسعة وتسعون من المفسدين في الأرض، قد اتخذتموهم شعاراً، ودثاراً، استخفافاً بالمعاد، وقلة يقين بالحساب، وأيكم له رأي يتبع، أو روية تنفع، فشاهت الوجوه، وعفرت الخدود.

وأما ما ذكرتم: من العثرة كانت في أبي الحسن (عليه السلام) نور الله وجهه، فلعمري، إنها عندي للنهضة والاستقلال الذي أرجو به قطع الصراط، والأمن والنجاة من الخوف يوم الفزع الأكبر. ولا أظن عملا هو عندي أفضل من ذلك، إلا أن أعود بمثلها إلى مثله، وأين لي بذلك، وأنى لكم بتلك السعادة.

وأما قولكم: إني سفهت آراء آبائكم، وأحلام أسلافكم، فكذلك قال مشركوا قريش: (إنا وجدنا آباءنا على أمة. وإنا على آثارهم مقتدون). ويلكم، إن الدين لا يؤخذ إلا من الأنبياء، فافقهوا، وما أراكم تعقلون.

وأما تعييركم إياي: بسياسة المجوس إياكم، فما أذهبكم الآنفة(1) من ذلك، ولو ساستكم القردة والخنازير، وما أردتم إلا أمير المؤمنين.

ولعمري، لقد كانوا مجوساً فأسلموا، كآبائنا، وأمهاتنا في القديم، فهم المجوس الذين أسلموا وأنتم المسلمون الذين ارتدوا، فمجوسي أسلم خير من مسلم ارتد، فهم يتناهون عن المنكر، ويأمرون بالمعروف، ويتقربون من الخير، ويتباعدون من الشر، ويذبون عن حرم المسلمين،

____________

(1) الظاهر أن الصواب: «فما أذهبكم عن الآنفة».

الصفحة 464
يتباهجون بما نال الشرك وأهله من النكر، ويتباشرون بما نال الإسلام وأهله من الخير.. منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلاً.

وليس منكم إلا لاعب بنفسه، مأفون في عقله وتدبيره: إما مغن، أو ضارب دف، أو زامر. والله، لو أن بني أمية الذين قتلتموهم بالأمس نشروا، فقيل لهم: لا تأنفوا من معائب تنالوهم بها، لما زادوا على ما صيرتموه لكم شعاراً ودثاراً، وصناعة وأخلاقاً..

ليس منكم إلا من إذا مسه الشر جزع، وإذا مسه الخير منع، ولا تأنفون، ولا ترجعون إلا خشية، وكيف يأنف من يبيت مركوباً، ويصبح بإثمه معجبا، كأنه قد اكتسب حمدا، غايته بطنه وفرجه، لا يبالي أن ينال شهوته بقتل ألف نبي مرسل، أو ملك مقرب، أحب الناس إليه من زين له معصية، أو أعانه في فاحشة، تنظفه المخمورة، وتربده المطمورة، فشتت الأحوال.. فإن ارتدعتم مما أنتم فيه من السيئات والفضائح. وما تهذرون به من عذاب ألسنتكم.. وإلا فدونكم تعلوا بالحديد..

ولا قوة إلا بالله، وعليه توكلي، وهو حسبي».

***************************************************
قصيدة الأمير أبي فراس الحمداني

نقاط رئيسية:

كنت قد وعدت القارئ الكريم في فصل: سياسة العباسيين ضد العلويين، بأن أورد في أواخر هذا الكتاب قصيدة الأمير أبي فراس الحمداني المعروفة ب‍: «الشافية».

وقد حان الآن موعد الوفاء بذلك الوعد. وقبل ذلك، لا بأس بالإشارة إلى:

أن أبا فراس قد ولد في سنة 320 ه‍. وتوفي في سنة 357 ه‍. عليه الرحمة والرضوان..

وفي زمانه: كان بنو العباس الخلفاء، وآل بويه السلاطين، وآل حمدان الأمراء.

ولاء. وشجاعة:

وأما عن سبب نظم هذه القصيدة، فهو أن أبا فراس وقف على قصيدة ابن سكرة، التي يتحامل فيها على العلويين، والتي أولها:

الصفحة 474

بني علي دعوا مقالتكم لا ينقص الدر وضع من وضعه


فحمي أبو فراس، ونظم هذه القصيدة، التي سارت بها الركبان، ودخل بغداد، وأمر أن يشهر في المعسكر خمسمأة سيف، وقيل: أكثر من ذلك.. ثم أنشد هذه القصيدة، وخرج من الناحية الأخرى(1) وقد شرح هذه القصيدة عدد من الأدباء والعلماء منهم ابن خالويه، ومنهم محمد بن أمير الحاج حسيني.

والقصيدة هي:


الدين مخترم والحق مهتضــم وفيء آل رسول الله مقتســــم
والناس عندك لا ناس فيحفظهم سوم الرعاة ولا شاء ولا نعـــم
إني أبيت قليل النوم أرقنــي قلب تصارع فيه الهم والهمـــم
وعزمة لا ينام الدهر صاحبهـا إلا على ظفر في طيه كــــرم
يصان مهري لأمر لا أبوح بـه والدرع والرمح والصمصامة الخذم
وكل مائرة الضبعين مسرحهـا رمث الجزيرة والحذراف والعنـم
وفتية قلبهم قلب إذا ركبـــوا يوماً ورأيهم رأي إذا عزمـــوا
يا للرجال أما لله منتصــــر من الطغاة، أما للدين منتقــــم
بنو علي رعايا في ديارهـــم والأمر تملكه النسوان والخـــدم


____________

(1) راجع: شرح الشافية، لمحمد بن أمير حاج حسيني ص 6، وقاموس الرجال ج 10 ص 157، ورجال المامقاني ج 3 ص 30 من باب الكنى، ورجال أبي علي ص 349، والغدير ج 3 ص 403، والكنى والألقاب ج 1 ص 137، والفتوني في كشكوله، وغير ذلك.

الصفحة 475

محلاون فأصفى وردهم وشـل عند الورود وأوفى شربهم لمــم
فالأرض إلا على ملاكها سعـة والمال إلا على أربابه ديــــم
فما السعيد بها إلا الذي ظلمـوا وما الشقي بها إلا الذي ظلمــوا
للمتقين من الدنيا عواقبهـــا وإن تعجل فيها الظالم الإثـــم
لا يطغين بني العباس ملكهــم بنو علي مواليهم، وإن رغمـوا
أتفخرون عليهم لا أبا لكـــم حتى كأن رسول الله جدكـــم
وما توازن يوماً بينكم شـرف ولا تساوت لكم في موطن قـدم
ولا لكم مثلهم في المجد متصل ولا لجدكم مسعاة جدهــــم
ولا لعرقكم من عرقهم شبــه ولا نثيلتكم من أمهم أمــــم
قال النبي بها «يوم الغدير» لهــم والله يشهد، والأملاك، والأمـم
حتى إذا أصبحت في غير صاحبها باتت تنازعها الذؤبان والرخـم
وصيروا أمرهم شورى كأنهـــم لا يعلمون ولاة الحق أيهـــم
تالله ما جهل الأقوام موضعهـــا لكنهم ستروا وجه الذي علمـوا
ثم ادعاها بنو العباس ملكهـــم وما لهم قدم فيها، ولا قدـــم
لا يذكرون إذا ما معشر ذكــروا ولا يحكم في أمر لهم حكـــم
ولا رآهم أبو بكر وصاحبـــه أهلاً لما طلبوا منها وما زعمـوا
فهل هم يدعوها غير واجبـــة أم هل أئمتهم في أخذها ظلمـوا


الصفحة 476

أما علي فقد أدنى قرابتكـــــم عند الولاية إن لم تكفر النعـم
أينكر الحبر عبد الله نعمتـــــه أبوكم، أم عبيد الله، أم قثــم
بئس الجزاء جزيتم في بني حسـن أباهم العلم الهادي، وأمهــم
لا بيعة ردعتكم عن دمائهــــم ولا يمين، ولا قربى ولا ذمـم
هلا صفحتم عن الأسرى بلا سبب للصافحين ببدر عن أسيركـم
هلا كففتم عن الديباج سوطكــم وعن بنات رسول الله شتمكـم
ما نزهت لرسول الله مهجتـــه عن السياط فهلا نزه الحــرم
ما نال منهم بنو حرب وإن عظمت تلك الجرائر إلا دون نيلكــم
كم غدرة لكم في الدين واضحـة وكم دم لرسول الله عندكـــم
أأنتم آله فيما ترون وفــــي أظفاركم من بنيه الطاهرين دم
هيهات لا قربت قربى ولا رحم يوماً إذا أقصت الأخلاق والشيم
كانت مودة سلمان لهم رحمــاً ولم تكن بين نوح وابنه رحـم
يا جاهداً في مساويهم يكتمهــــا غدر الرشيد بيحيى كيف ينكتـم
ذاق الزبيري عبء الحنث وانكشفت عن ابن فاطمة الأقوال والتهـم
ليس الرشيد كموسى في القياس ولا مأمونكم كالرضا إن أنصف الحكم(1)
باؤا بقتل الرضا من بعد بيعتـــه وأبصروا بعض يوم رشدهم وعموا
يا عصبة شقيت من بعد ما سعدت ومعشر هلكوا من بعد ما سلمـوا
لبئسما لقيت منهم وإن بليــــت بجانب الطف تلك الأعظم الرمـم


____________

(1) كان هذا البيت مقدما على الذي قبله في بعض مصادر هذه القصيدة. لكن الصواب تأخيره، ليتحد السياق، وينسجم المعنى..

الصفحة 477

لا عن أبي مسلم في نصحه صفحوا ولا الهبيري نجى الحلف والقسم
ولا الأمان لأهل الموصل اعتمـدوا فيه الوفاء، ولا عن غيهم حلموا
أبلغ لديك بني العباس مألكـــــه لا تدعوا ملكها ملاكها العجــم
أي المفاخر أمست في منابركـــم وغيركم آمر فيها، ومحتكـــم
أنى يفيدكم في مفخر علــــــم وفي الخلاف عليكم يخفق العلم
يا باعة الخمر كفوا عن مفاخركــم لمعشر بيعهم يوم الهيــاج دم
خلوا الفخار لعلامين إن سئلـــوا يوم السؤال، وعمالين إن علموا
لا يغضبون لغير الله إن غصبــوا ولا يضيعون حكم الله إن حكموا
تنشى التلاوة في أبياتهم سحـــراً وفي بيوتكم الأوتار والنغـــم
إذا تلوا آية غني إمامكــــــم قف بالديار التي لم يعفها قــدم
منكم عُلّية أم منهم، وكان لكـــم شيخ المغنين إبراهيم، أم لهــم
ما في بيوتهم للخمر معتصــــر ولا بيوتهم للشر معتصــــم
ولا تبيت لهم خنثى تنادمهــــم ولا يرى لهم قرد له حشـــم
الركن والبيت والأستار منزلهم وزمزم والصفا والحجر والحرم
وليس من قسم في الذكر نعرفه إلا وهم دون شك ذلك القســم



وبذلك ينتهي هذا الكتاب، والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله على خير خلقه أجمعين، محمد وآله الطيبين الطاهرين..

الكاتب
******


جعفر مرتضى الحسيني العاملي



معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ahlalbayt12.7olm.org

الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى