« نحن أهل البيت لايقاس بنا أحد »


انضم إلى المنتدى ، فالأمر سريع وسهل

« نحن أهل البيت لايقاس بنا أحد »
« نحن أهل البيت لايقاس بنا أحد »
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.
« نحن أهل البيت لايقاس بنا أحد »

اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد وآل محمد، كما جعلتها على آل إبراهيم إنك حميد مجيد


أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

تابع موضوع الحياة السياسية للامام الرضا عليه السلام

اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

Admin


Admin

تابع موضوع الحياة السياسية للامام الرضا عليه السلام

*************************************************

سياسة العباسيين مع الرعية
والمتوكل زعموا يتسرى باثني عشر ألف سرية، والسيد من سادات أهل البيت يتعفف بزنجية، أو سندية. وصفوة مال الخراج مقصورة على أرزاق الصفاعنة، وعلى موائد المخاتنة، وعلى طعمة الكلابين، ورسوم القرادين، وعلى مخارق وعلوية المغني، زرزر، وعمر بن بانة المهلبي، ويبخلون على الفاطمي بأكلة أو شربة، ويصارفونه على دانق وحبة، ويشترون العوادة بالبدر، ويجرون لها ما يفي برزق عسكر. والقوم الذين أحل لهم الخمس، وحرمت عليهم الصدقة، وفرضت لهم الكرامة والمحبة، يتكففون ضراً، ويهلكون فقراً، ويرهن أحدهم سيفه، ويبيع ثوبه، وينظر إلى فيئة بعين مريضة، ويتشدد على دهره بنفس ضعيفة، ليس له ذنب إلا أن جده النبي، وأبوه الوصي، وأمه فاطمة، وجدته خديجة، ومذهبه الإيمان، وإمامه القرآن. وحقوقه مصروفة إلى القهرمانة والمضرطة وإلى المغمزة، إلى المزررة، وخمسه مقسوم على نقار الديكة الدمية، والقردة، وعلى رؤوس اللعبة واللعبة، وعلى مرية الرحلة..

وماذا أقول في قوم حملوا الوحوش على النساء المسلمات، وأجروا لعبادة وذويه الجرايات، وحرثوا تربة الحسين (عليه السلام) بالفدان، ونفوا زواره إلى البلدان، وما أصف من قوم هم: نطف السكارى في أرحام القيان؟ وماذا يقال في أهل بيت منهم نبع البغا، وفيهم راح التخنيث وغداً، وبهم عرف اللواط؟!. كان إبراهيم بن المهدي مغنياً، وكان المتوكل مؤنثاً موضعاً، وكان المعتز مخنثاً، وكان ابن زبيدة معتوهاً مفركاً، وقتل المأمون أخاه، وقتل المنتصر أباه، وسم موسى بن المهدي أمه، وسم المعتضد عمه. ولقد كان في بني أمية مخازي تذكر، ومعائب تؤثر».

الصفحة 106
وبعد أن عدد بعض مخازي بني أمية، ومعائبهم قال:

«.. وهذه المثالب مع عظمها وكثرتها، ومع قبحها وشنعتها، صغيرة وقليلة في جنب مثالب بني العباس، الذين بنوا مدينة الجبارين، وفرقوا في الملاهي والمعاصي أموال المسلمين.. إلى آخر ما قال..»(1).

هذا جانب من رسالة الخوارزمي، وقد كنت أود أن أثبتها بتمامها، لكنني رأيت أن المجال لا يتسع لذلك. وعلى كل فإن:

ذلك كله غيض من فيض. ولعل فيما ذكرناه كفاية..

____________

(1) راجع: رسائل الخوارزمي طبع القسطنطينية سنة 1297 من ص 130، إلى ص 140، ونقل شطراً كبيراً منها: سعد محمد حسن في كتابه: المهدية في الإسلام ابتداء من ص 58 وذكر شطراً منها أيضاً الدكتور أحمد أمين في كتابه ضحى الإسلام ج 3 ص 297 فما بعدها، فراجع. وهي موجودة بتمامها في مجموعة خطية من تأليف سيدي الوالد أيده الله، سماها: «مجمع الفوائد، ومجمل العوائد» ابتداء من ص 45..

الصفحة 107

سياسة العباسيين مع الرعية

نظرة عامة:

لا نريد في هذا الفصل أن نعرض لأنواع القبائح، التي كان العباسييون يمارسونها، فإن ذلك مما لا يمكن الالمام به واستقصاؤه في هذه العجالة.

وإنما نريد فقط أن نعطي لمحة سريعة عن سيرتهم السيئة في الناس، ومدى اضطهادهم وظلمهم لهم، وجورهم عليهم، الأمر الذي أسهم إسهاما كبيراً في كشف حقيقتهم، وبيان واقعهم أمام الملأ.. حتى لقد قال الشعراء في وصف الحالة العامة في زمن خلفائهم الشيء الكثير، فمن ذلك قول سليم العدوي في الثورة على الوضع القائم:


حتى متى لا نرى عدلاً نسر به ولا نرى لولاة الحق أعوانا
مستمسكين بحق قائمين بـــه إذا تلون أهل الجور ألوانـا
يا للرجال لداء لا دواء لـــه وقائد ذي عمي يقتاد عميانا(1)


وقال سديف:

____________

(1) المستطرف ج 1 ص 97، وطبيعة الدعوة العباسية ص 272، وضحى الإسلام ج 2 ص 37.

الصفحة 108

إنا لنأمل أن ترتد ألفتنــا بعد التباعد والشحناء والإحن
وتنقضي دولة أحكام قادتها فينا كأحكام قوم عابدي وثن


فكتب المنصور إلى عبد الصمد بن علي بأن: يدفنه حيا، ففعل(1).

وقد ذكر أبو الفرج أبياتاً كثيرة بالإضافة إلى هذين البيتين، ونسبها يحيى بن عبد الله بن الحسن، بحضرة الرشيد، إلى عبد الله بن مصعب الزبيري، ومن جملتها قوله:


فطالما قد بروا في الجور أعظمنا بري الصناع قداح النبع بالسفن(2)


وقال آخر، وهو أحمد بن أبي نعيم، الذي نفاه المأمون بسبب هذا البيت إلى السند:


ما أحسب الجور ينقضي وعلى الناس أمير من آل عبـــاس(3)


وقد تقدم قول أبي عطاء السندي، المتوفى سنة 180 ه‍:


يا ليت جور بني مروان دام لنا وليت عدل بني العباس في النــار


وقال الدكتور أحمد محمود صبحي: «.. لكن ذلك المثل الأعلى للعدالة، والمساواة الذي انتظره الناس من العباسيين، قد أصبح وهما من الأوهام، فشراسة المنصور والرشيد، وجشعهم، وجور أولاد علي بن

____________

(1) راجع: العمدة لابن رشيق ج 1 ص 75، 76، والعقد الفريد، طبع دار الكتاب العربي ج 5 ص 87، وهامش طبقات الشعراء ص 41، (2) مقاتل الطالبيين ص 476، 477.

(3) راجع: وفيات الأعيان: ترجمة يحيى بن أكثم، ومروج الذهب ج 3 ص 435، وضحى الإسلام ج 2 ص 38، ونهاية الإرب ج 8 ص 175، وطبيعة الدعوة العباسية ص 273، وطبقات الشعراء ص 378، لكنه نسبه لابن أبي خالد، لكن في العقد الفريد ج 6 ص 418، قد نسب يحيى بن أكثم هذا البيت إلى دعبل.

وفيه: أنه هو الذي نفي إلى السند.

الصفحة 109
عيسى، وعبثهم بأموال المسلمين، يذكرنا بالحجاج، وهشام، ويوسف ابن عمرو الثقفي، وعم الاستياء أفراد الشعب، بعد أن استفتح أبو عبد الله، المعروف ب‍ «السفاح» وكذلك المنصور بالإسراف في سفك الدماء، على نحو لم يعرف من قبل»(1).

ويقول صاحب إمبراطورية العرب: «.. إنه بالرغم من أن جيش خراسان هو الذي أوصل العباسيين إلى الملك، فإن الفتن في خراسان ظلت قائمة في عهد العباسيين، كما كانت في عهد الأمويين. وكان الشعار الذي رفعه الخراسانيون الآن: أنهم هم الذين أوصلوا «آل البيت» إلى الحكم، لإقامة عهد من الرحمة والعدل، لا لإقامة عهد آخر من الطغيان، المتعطش إلى سفك الدماء.. إلى أن يقول:

لكن الشيء الذي لا ريب فيه: هو أن الأحلام بإقامة عهد السلام والعدل، التي كانت السبب في الثورة العامة ضد الأمويين قد تبخرت الآن، ولو لم يكن العباسيون أسوأ حالاً من الأمويين، فإنهم لم يكونوا ـ على أي حال ـ خيراً منهم»(2). وقريب منه كلام غيره(3) وستأتي في فصل: آمال المأمون إلخ. عبارة فان فلوتن الهامة، والقيمة عن الحكم العباسي، وسياساته مع الرعية. فانتظر.

ولعل قصيدة أبي العتاهية، التي مطلعها:


من مبلغ عني الإمام نصائحاً متوالية


____________

(1) نظرية الإمامة ص 381، لكن كنية السفاح هي: «أبو العباس» لا أبو عبد الله و عبد الله هو: اسمه، واسم المنصور أيضاً، الذي كان أكبر من السفاح.

(2) إمبراطورية العرب ص 452.

(3) راجع: حياة الإمام موسى بن جعفر 2 ص 162 عن كتاب: «النكبات» للريحاني، وضحى الإسلام ج 1 ص 127 حتى 131.

الصفحة 110
تعبر تعبيراً صادقاً عن الحالة العامة، التي كانت سائدة آنذاك، وهي معروفة ومشهورة ومذكورة في ديوانه ص 304. وهي بحق من الوثائق الهامة. المعبرة عن واقع الحياة في تلك الفترة من الزمن.

مع موقف الخلفاء بالتفصيل:

وبعد هذا. وإذا ما أردنا أن نقف عند بعض جنايات وجرائم كل واحد منهم فإننا نقول:

أما السفاح:

الذي أظهر نفسه في صورة مهدي(1).

فهو الذي يقول عنه المؤرخون: إنه: «كان سريعاً إلى سفك الدماء، فاتبعه عماله في ذلك، في المشرق والمغرب، واستنوا بسيرته، مثل: محمد بن الأشعث بالمغرب، وصالح بن علي بمصر، وخازم بن خزيمة، وحميد بن قحطبة، وغيرهم»(2). حتى لقد خرج عليه شريك بن شيخ المهري، الذي كان ـ على ما يظهر ـ من دعاة العباسيين ـ خرج عليه ـ ببخارا، في أكثر من ثلاثين ألفاً، فقال: «ما على هذا بايعنا آل محمد، تسفك الدماء،

____________

(1) البداية والنهاية ج 1 ص 69 والتنبيه والإشراف ص 292.

(2) مروج الذهب للمسعودي ج 3 ص 222، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 259. ومشاكلة الناس لزمانهم لليعقوبي ص 22، وليراجع إمبراطورية العرب ص 435.

الصفحة 111
ويعمل بغير الحق..»(1) فوجه إليه السفاح أبا مسلم، فقتله، ومن معه.. وقضية عامل السفاح ـ وهو أخوه، وقيل: ابن أخيه، يحيى ـ مع أهل الموصل، حيث ذبح الآلاف الكثيرة منهم في المسجد. هذه القضية معروفة ومشهورة.

وينص المؤرخون، على أنه: لم يبق من أهل الموصل على كثرتهم إلا أربع مئة إنسان، صدموا الجند، فأفرجوا لهم. كما أنه أمر جنده، فبقوا ثلاثة أيام يقتلون النساء، لأنه سمع أنهن يبكين رجالهن. وينص المؤرخون أيضاً: على أن نفوس أهل الموصل قد ذلت بعد تلك المذبحة، ولم يسمع لهم بعدها صوت، ولا قامت لهم قائمة(2).

وعندما سألت السفاح زوجته أم سلمة، بنت يعقوب بن سلمة: «لأي شيء استعرض ابن أخيك أهل الموصل بالسيف؟!. قال لها: وحياتك ما أدري..»(3)!!.

وقد تقدمت عبارة الدكتور أحمد محمود صبحي عن السفاح والمنصور معاً عن قريب.

____________

(1) الكامل لابن الأثير ج 4 ص 342، والإمامة والسياسة ج 2 ص 139، وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 354 طبع صادر، والبداية والنهاية ج 10 ص 56، وتاريخ التمدن الإسلامي ج 2 ص 402، وغيرهم.. وفي كتاب طبيعة الدعوة العباسية ص 230 قال: إنه «لذلك نقل ولاءه للعلويين، وثار ببخارا، وانضم إليه أنصار العلويين في خراسان، وكذلك ولاة العباسيين على بخارا، وبرزم، وكانت حركته شعبية. وجابه أبو مسلم صعوبات كبيرة في القضاء عليها..» انتهى.

(2) راجع تفاصيل هذه القضية في: النزاع والتخاصم للمقريزي ص 48، 49، والكامل لابن الأثير ج 5 ص 212، حوادث سنة 132، وتاريخ ابن خلدون ج 3 ص 177، وغاية المرام للموصلي ص 115، وتاريخ اليعقوبي، طبع صادر ج 2 ص 357، وشرح ميمية أبي فراس ص 216.

(3) النزاع والتخاصم للمقريزي ص 49، وغير ذلك.

الصفحة 112
وأما المنصور:

الذي أظهر نفسه في صورة مهدي كما يظهر من قول أبي دلامة مخاطباً أبا مسلم الذي قتله المنصور:


أبا مجرم ما غير الله نعمــة على عبده حتى يغيرها العبد
أفي دولة المهدي حاولت غدرة ألا إن أهل الغدر آباءك الكرد(1)


والذي قتل خلقاً كثيراً حتى استقام له الأمر(2).

فأمره في الظلم والجور وانتهاك الحرمات أشهر من أن يذكر، حتى لقد أنكر عليه ذلك: «.. رجل من أعظم الدعاة قدراً، وأعظمهم غناء، وهو أبو الجهم بن عطية، مولى باهلة. وهو الذي أخرج أبا العباس السفاح من موضعه الذي أخفاه فيه أبو سلمة، حفص بن سليمان الخلال، وحرسه، وقام بأمره حتى بويع بالخلافة، فكان أبو العباس يعرف له ذلك. وكان أبو مسلم يثق به، ويكاتبه.

فلما استخلف أبو جعفر المنصور، وجار في أحكامه، قال أبو الجهم: ما على هذا بايعناهم، إنما بايعناهم على العدل، فأسرها أبو جعفر في نفسه، ودعاه ذات يوم. فتغدى عنده، ثم سقاه شربة من سويق اللوز، فلما وقعت في جوفه هاج به وجع، فتوهم: أنه قد سم، فوثب، فقال له المنصور: إلى أين يا أبا الجهم؟! فقال: إلى حيث أرسلتني، ومات بعد يوم أو يومين فقال:

____________

(1) عيون الأخبار لابن قتيبة ج 1 ص 26 والكنى والألقاب ج 1 ص 158. ويحتمل أن يقصد بالمهدي هنا: السفاح.

(2) فوات الوفيات ج 1 ص 232، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 259، وتاريخ الخميس ج 2 ص 324.

الصفحة 113

إحذر سويق اللوز لا تشربنه فإن سويق اللوز أردى أبا الجهم(1).


وأنكر عليه ذلك أيضاً ـ بالإضافة إلى عمه كما تقدم ـ جماعة من قواده، فقاموا عليه، ودعوا الناس إلى موالاة أهل البيت، فحاربهم عبد الرحمان الأزدي سنة 140 ه‍. فقتل طائفة منهم، وحبس آخرين(2).

وقال الطبري في حوادث سنة 140 ه‍. أيضاً: «.. وفيها ولي أبو جعفر عبد الجبار بن عبد الرحمن خراسان، فقدمها، فأخذ بها ناساً من القواد، وذكر أنه اتهمهم بالدعاء إلى ولد علي بن أبي طالب، منهم: مجاشع بن حريث الأنصاري، وأبو المغيرة، مولى لبني تميم، واسمه خالد ابن كثير، وهو صاحب قوهستان، والحريش بن محمد الذهلي، ابن عم داوود، فقتلهم وحبس الجنيد بن خالد بن هريم التغلبي، ومعبد بن الخليل المزني، بعد ما ضربهما ضرباً مبرحاً، وحبس عدة من وجوه قواد أهل خراسان..»(3).

ولعل من الأمور الجديرة بالملاحظة هنا: أن المنصور كان يعاشر الراوندية القائلين بألوهيته، ولا ينهاهم ولا يردعهم عن مقالتهم تلك، وعندما سأله أحد المسلمين عن ذلك قال له ـ على ما في تاريخ الطبري ـ: «لأن يكونوا في معصية الله وطاعتنا، أحب إلي من أن يكونوا في طاعة الله ومعصيتنا..».

ولكنه عندما ثاروا عليه في الهاشمية، وضع فيهم السيف وقتلهم، ولكن لا لأجل مقالتهم الشنيعة تلك، وإنما لأجل عدم طاعتهم له!.

____________

(1) النزاع والتخاصم للمقريزي ص 52، وليراجع: الوزراء والكتاب ص 136 ـ 137 وفيه: أن أبا الجهم كان وزيرا للسفاح.

(2) البداية والنهاية ج 10 ص 75.

(3) الطبري، طبع ليدن ج 10 ص 128.

الصفحة 114
هذا.. وعندما قال لعبد الرحمان الإفريقي، رفيق صباه: «كيف رأيت سلطاني من سلطان بني أمية؟».

أجابه عبد الرحمان: «ما رأيت في سلطانهم شيئاً من الجور إلا رأيته في سلطانك..»(1).

وعندما قدم عليه عبد الرحمان هذا من إفريقيا، ودخل عليه، بعد أن بقي ببابه شهراً، لا يستطيع الوصول إليه، قال له عبد الرحمان: «ظهر الجور ببلادنا، فجئت لأعلمك، فإذا الجور يخرج من دارك. ورأيت أعمالاً سيئة، وظلماً فاشياً، ظننته لبعد البلاد منك، فجعلت كلما دنوت منك كان الأمر أعظم». فغضب المنصور. وأمر بإخراجه(2).

وقال لابن أبي ذؤيب: «أي الرجال أنا؟».

فأجابه: «أنت والله عندي شر الرجال، استأثرت بمال الله، ورسوله، وسهم ذوي القربى، واليتامى. والمساكين، وأهلكت الضعيف، وأتعبت القوي، وأمسكت أموالهم(3). وحج أبو جعفر فدعا ابن أبي ذئب، فقال: نشدتك الله، ألست أعمل بالحق؟ أليس تراني أعدل؟ فقال ابن أبي ذئب: أما إذ نشدتني بالله فأقول: اللهم لا، ما أراك تعدل، وإنك لجائر، وإنك لتستعمل الظلمة، وتترك أهل الخير(4).

____________

(1) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 268، وغيره.

(2) تاريخ بغداد ج 10 ص 215، والإمام الصادق، والمذاهب الأربعة المجلد الأول جزء 2 ص 479.

(3) الإمامة والسياسة ج 2 ص 145.

(4) صفة الصفوة ج 2 ص 175.

الصفحة 115
وعندما كان يطوف بالبيت سمع أعرابيا يقول: «اللهم إني أشكو إليك ظهور الفساد، وما يحول بين الحق وأهله، من الطمع»، فطلبه المنصور، فأتي به، فاستمع المنصور منه إلى شرح واف عن الظلم، والجور، والفساد، الذي كان فاشيا آنذاك، وهي قصة طويلة لا مجال لذكرها، وعلى مريدها المراجعة إلى مظانها(1).

ولا بأس بمراجعة ما قاله له عمرو بن عبيد، في موعظته الطويلة له، ومن جملتها: «.. إن وراء بابك نيرانا تتأجج من الجور، والله، ما يحكم وراء بابك بكتاب الله، ولا بسنة نبيه إلخ..»(2).

وقد لقي أعرابياً بالشام، فقال له المنصور: «إحمد الله يا أعرابي، الذي دفع عنكم الطاعون بولايتنا أهل البيت».

فأجابه الأعرابي: «إن الله أعدل من أن يجمعكم علينا والطاعون». فسكت، ولم يزل يطلب له العلل حتى قتله(3).

____________

(1) المحاسن والمساوي من ص 339، إلى ص 341 والعقد الفريد للملك السعيد ص 116، 117، 118، وحياة الحيوان للدميري ج 2 ص 190، 191، طبع سنة 1319، وعيون الأخبار، لابن قتيبة ج 2 من ص 333، إلى ص 336، والعقد الفريد ج 2 ص 104، 105، طبع سنة 1346، وضحى الإسلام ج 2 ص 40، والإمام الصادق والمذاهب الأربعة ج 2 ص 480، نقلاً عن: تاريخ ابن الساعي ص 19، والفتوحات الإسلامية لدحلان ج 2 ص 445، حتى 448 مطبعة مصطفى محمد. والموفقيات ص 392، 393 (2) مرآة الجنان لليافعي ج 1 ص 336، 337، والمحاسن والمساوي، طبع صادر ص 338، 339، وعيون الأخبار، لابن قتيبة باختصار ج 2 ص 337، ونور القبس ص 44.

(3) روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار ص 86 وأساس الاقتباس، والبداية والنهاية ج 10 ص 123، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 265، وفي كتاب طبيعة الدعوة العباسية ص 273، نقلاً عن تاريخ دمشق لابن عساكر III ص 391: أن الذي قال للمنصور ذلك هو منصور بن جعونة الكلابي: وأن قوله له هو: «إن الله أعدل من أن يسلط علينا الطاعون والعباسيين معاً».

الصفحة 116
وقد كتب له سديف، الذي كان من المتحمسين للدولة العباسية:


أسرفت في قتل الرعية ظالماً فاكفف يديك أظلها «مهديها»(1)


ويريد ب‍ «مهديها» محمد بن عبد الله بن الحسن على ما يظهر. وقضية الرجل الهمداني، الذي أراد عامل المنصور أن يسلبه ضيعته، فأبي عليه ذلك، فكبله بالحديد، وسيره إلى المنصور، فأودعه السجن أربعة أعوام، لا يسأل عنه أحد، هذه القضية معروفة، ومشهورة(2).

وعندما بنى مدينة: «المصيصية» قد أخذ أموال الناس، حتى ما ترك عند أحد فضلاً(3) وعندما أراد أن يبني مدينة أخرى ثار الناس عليه ووقع القتال، لأنهم علموا أنه سوف لا يبقى عندهم فضلاً أيضاً.

وأما ما فعله عبد الوهاب ابن أخي المنصور في أهل فلسطين، فذلك يفوق كل وصف ويتجاوز كل بيان(4).

بعض ما يقال عن المنصور:

وأخيراً.. فقد قال عنه البيهقي إنه: «كان يعلق الناس من أرجلهم، حتى يؤدوا ما عليهم»(5).

____________

(1) العقد الفريد، طبع دار الكتاب العربي ج 5 / 88. ويقال: إن هذا هو سبب قتل سديف.

(2) شرح قصيدة ابن عبدون لابن بدرون ص 281، 282، ومروج الذهب ج 3 ص 288.

(3) تاريخ اليعقوبي ج 3 / 121.

(4) الوزراء والكتاب ص 137، (5) المحاسن والمساوي ص 339.

الصفحة 117
هذا.. وقد وصف اليافعي والذهبي المنصور بأنه كان: «فيه جبروت وظلم»(1).

ووصفه السيد أمير علي بأنه: «كان غادراً خداعاً، لا يتردد البتة في سفك الدماء.. إلى أن قال: وعلى الجملة: كان أبو جعفر سادراً في بطشه، مستهتراً في فتكه. وتعتبر معاملته لأولاد علي من أسوأ صفحات التاريخ العباسي»(2).

ولا بأس بمراجعة ما قاله الريان، مولى المنصور لجعفر بن أبي جعفر، حيث ينص على أنه قتل أهل الدنيا، ممن لا يعد ولا يحصى، وإن فرعون لا يقاس به(3).

وأما المهدي:

الذي اتخذ الزندقة ذريعة للفتك بالأبرياء.. فقد كفانا الجهشياري مؤونة الحديث عنه، حيث قال: إنه في زمن المهدي هذا:

«كان أهل الخراج يعذبون بصنوف من العذاب، من السباع، والزنابير والسنانير»(4). وقد خرج عليه يوسف البرم بخراسان، منكرا عليه أحواله، وسيرته، وما يتعاطاه(5).

____________

(1) العبر للذهبي ج 1 / 230، ومرآة الجنان لليافعي ج 1 / 334.

(2) مختصر تاريخ العرب والتمدن الإسلامي ص 184، وليراجع تاريخ التمدن الإسلامي ج 4 / 399. والتاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ج 3 / 61.

(3) الوزراء والكتاب ص 130.

(4) الوزراء والكتاب ص 142.

(5) البداية والنهاية ج 10 / 131.

الصفحة 118
وأما الهادي:

فقد كان: «يتناول المسكر، ويحب اللهو والطرب، وكان ذا ظلم وجبروت»(1).

وكان: «سيّء الأخلاق، قاسي القلب، جباراً، يتناول المسكر، ويلعب»(2).

وقد قال عنه الجاحظ: «كان الهادي شكس الأخلاق، صعب المرام، سيء الظن. قل من توقاه، وعرف أخلاقه إلا أغناه، وما كان شيء أبغض إليه من ابتدائه بسؤال. وكان يأمر للمغني بالمال الخطير الجزيل»(3).

وقال الجهشياري: «كان فظاً قاسياً، غير مأمون على وفاء بوعد»(4).

نعم.. لقد كان يأمر للمغني بالمال الجزيل الخطير ـ من بيت مال المسلمين ـ كما يقول الجاحظ.. وقد بلغ من إسرافه في إجازة الخلعاء والمغنين، أن دفع إسحاق الموصلي لأن يقول: «لو عاش لنا الهادي لبنينا حيطان دورنا بالذهب والفضة»(5) وأخيراً.. فقد قال عنه الذهبي: «قد كان جباراً ظالم النفس»(6) إلى آخر ما هنالك مما لا مجال لنا هنا لتتبعه.

____________

(1) تاريخ الخميس ج 2 / 331.

(2) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 279، وغيره.

(3) التاج للجاحظ ص 81.

(4) الوزراء والكتاب ص 174.

(5) الأغاني، طبع دار الكتب بالقاهرة ج 5 / 163.

(6) العبر للذهبي ج 1 / 258. ولا بأس بمراجعة: مشاكلة الناس لزمانهم ص 24.

الصفحة 119
وأما الرشيد:

فسيرته تكفي عن كل بيان.. ويكفيه أنه ـ كما ينص المؤرخون ـ يشبه المنصور في كل شيء إلا في بذل المال(1)، حيث يقولون إن المنصور كان بخيلاً.

وقد تسلط ـ كالمنصور ـ بعد مدة من خلافته على الأمور، فأفسد الصنايع، وأحب جمع الأموال(2).

«وكان جباراً سفاكاً للدماء، على نمط من ملوك الشرق المستبدين»(3). وقد عسف عامله أهل خراسان، وقتل ملوكها، ووجوه أهلها وأشرافها وصناديدها، وأخذ أموالهم. فأرسلها إلى الرشيد، الأمر الذي كان سبباً في انتقاضها عليه(4).

وكان يعذب الناس في الخراج، حيث: «أخذ العمال، والتناء، والدهاقين، وأصحاب الصنايع، والمبتاعين للغلات، والمقبلين. وكان عليهم أموال مجتمعة، فولى مطالبتهم عبد الله بن الهيثم بن سام. فطالبهم بصنوف من العذاب. إلى أن دخل عليه ابن عياض، فرأى الناس يعذبون في الخراج، فقال: ارفعوا عنهم، إني سمعت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: من عذب الناس في الدنيا عذبه الله يوم القيامة، فأمر بأن يرفع العذاب عن الناس، فرفع..»(5).

____________

(1) ولكن لا في سبيل الله، وإنما على ملذاته وشهواته، وعلى المغنين والمضرطين كما في رسالة الخوارزمي المتقدمة، وكما ينص عليه أي كتاب تاريخي يتحدث عن سيرته وأفعاله.

(2) التنبيه والإشراف ص 299.

(3) هذا قول الأمير شكيب أرسلان، في تعليقته على: حاضر العالم الإسلامي، نقلها عنه: محمد بن عقيل هامش ص 20 من كتابه: العتب الجميل.. وهو من منشورات هيئة البحوث الإسلامية في إندونيسيا.

(4) الوزراء والكتاب ص 228.

(5) تاريخ اليعقوبي ج 3 / 146.



https://ahlalbayt12.7olm.org

Admin


Admin

فشل سياسة العباسيين ضد العلويين

سؤال لا بد منه:

والآن.. وبعد أن عرفنا موقف العلويين من العباسيين، وقدمنا لمحة من معاملتهم للرعية، التي لم تكن أحسن حالاً، ولا أهدأ بالاً من العلويين، سيما وأنهم من أول يوم من حكمهم سلطوا على الناس فئة لا تفقه للرحمة معنى، ولا تجد الشفقة إلى قلوبها أي سبيل، همها الدنيا، وغايتها الاستئثار بكل شيء، وتتمتع بحماية مطلقة من قبل الخلفاء، حتى عندما كانت تعبث بأموال الناس، وحتى في دمائهم وأعراضهم..

وكيف لا!! والخلفاء أنفسهم ما كانوا أحسن حالاً من تلك الفئة، ولا أقل انحرافا، وبعداً عن تعاليم السماء، والخلق الإنساني منها..

بعد أن عرفنا ذلك. وغيره مما تقدم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو:

ما هي نتائج وآثار سياسات العباسيين تلك؟. وهل استطاعوا أن يجعلوا الناس راضين عن تلك السياسات؟ وعما كانوا يرونه منهم من تميعهم، واستهتارهم بكل القيم، والفضائل الأخلاقية؟.

وهل استطاعوا أن يكتسبوا عطف الأمة، بعد أن فعلوا بها، وبأهل بيت نبيها ما فعلوا؟!.

الصفحة 130
أما الجواب:

الواقع.. أن نتيجة ذلك كانت وبالاً على العباسيينSadولا يحيق المكر السيء إلا بأهله..). فقد كان الناس مستائين جداً من سيرتهم السيئة وسيرة ولاتهم مع الرعية، وكان من الطبيعي جداً أيضاً: أن يثير الناس ويسؤهم ما كانوا يرونه من تميعهم الشديد في حياتهم الخاصة، وإيثارهم اللذات المحرمة على كل شيء، حتى قد يبلغ الأمر بالخليفة منهم أن يحتجب عن الناس منهمكا بلذاته وشهواته. وقد كان الرشيد يحمد الله على أن أراحه البرامكة من أعباء الحكم(1)، وتركوه ينصرف إلى ما يندى له جبين الإنسان الحر ألماً وخجلاً، وكذلك كانت حال والده المهدي من قبل، وعلى ذلك جرى ولده الأمين من بعد.. وغيرهم وغيرهم ممن لا نرى ضرورة لتعداد أسمائهم. وحسبنا تلك الشواهد الكثيرة في التاريخ، الذي قد لا تمر بصفحة منه، فيها حديث عن الخلفاء، إلا وتجد فيها ما لا يسر، وما لا يغبط عليه أحد..

وكان مما ساعد على إدراك الناس لحقيقة نوايا العباسيين، وواقعهم، الذي طالما جهدوا في التستر عليه، وإخفائه، بحيث لم يعد ثمة شك في أنهم ليسوا بأفضل من الأمويين، إن لم يكونوا أكثر منهم سوءا. هو ما كانوا يرونه من معاملتهم لبني عمهم آل أبي طالب، الذين ضحوا بكل شيء في سبيل هذا الدين، وأعطوا وبذلوا حتى أرواحهم في سبيل هذه الأمة. والذين كانوا هم الأمل الحي لهذه الأمة المضطهدة، والمغلوبة على أمرها، التي كانت ترى فيهم كل الفضائل، والكمالات الإنسانية..

والذين كان من الواضح لدى كل أحد أن وجود العباسيين في الحكم مدين لهم، أكثر من غيرهم على الإطلاق.

____________

(1) الوزراء والكتاب ص 225.

الصفحة 131
لقد رأوهم جميعاً متفقين ـ حتى المأمون كما سيتضح ـ على العداء لهم، ووجوب التخلص منهم، لكن الفرق هو أن الخلفاء الذين سبقوا المأمون كانت أساليبهم تجاههم، تتميز ـ عموماً ـ بالعنف والقسوة، بخلافه هو، فإنه اتبع أسلوباً جديداً، وفريدا في القضاء عليهم، والتخلص منهم..

ولقد كان هذا الموقف مفاجأة للأمة، وصدمة لها، ولذا فمن الطبيعي أن يتسبب في ردود فعل عنيفة في ضمير الأمة ووجدانها، وبخيبة أمل قاسية لها في العباسيين.

بل لقد كان ذلك سبباً في زيادة تعاطفها معهم، ومضاعفة احترامهم لهم ـ ولو بدافع إنساني بحت ـ ومن هنا نلاحظ أنهم كثيراً ما يذكرون في سبب نكبات الوزراء، والعمال، بل والعلماء أيضاً ـ صدقاً كان ذلك أو كذباً ـ أنه أجار علوياً، أو أطلقه من السجن، ودله على طريق النجاة، وقد ذكرت هذه المنقبة للإمام أحمد بن حنبل أيضاً(1)، وأما موقف أبي حنيفة، والشافعي، وغيرهم من العلماء، فهو أشهر من أن يذكر.

ولعل الأهم من ذلك كله:

ولعل الأهم من ذلك كله أن الناس الذين كانوا يرون سلوك العباسيين مع العلويين، ومع الناس عامة، وأيضاً سلوكهم اللاأخلاقي في حياتهم الخاصة.. كانوا يرون في مقابل ذلك: زهد العلويين، وورعهم، وترفعهم عن كل الموبقات والمشينات، وخصوصاً الأئمة منهم (عليهم السلام). وقد جعلهم ذلك ينساقون معهم لا إرادياً، حيث رأوا أنهم هم الذين يمتلكون كل المؤهلات، ويتمتعون بكافة الفضائل والمزايا، التي

____________

(1) راجع كتاب: شيخ الأمة، الإمام أحمد بن حنبل، لعبد العزيز سيد الأهل.

الصفحة 132
تجعلهم جديرين بخلافة محمد (صلى الله عليه وآله)، وأهلا لقيادة الأمة، قيادة صالحة وسليمة، كما كان النبي (صلى الله عليه وآله) يقودها من قبل..

وواضح أن تلك الخصائص، وهاتيك المؤهلات والمميزات لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) وذلك السلوك المثالي لهم ـ كل ذلك ـ كان يغري العباسيين بمضايقتهم، وملاحقتهم أشد الاغراء، وكان أيضاً يدفع الحساد للوشاية بهم. وتحريض الخلفاء على الايقاع والتنكيل فيهم.

ولهذا نرى أن الخلفاء! لم يكونوا يألون جهداً، أو يدخرون وسعاً في ملاحقتهم، واضطهادهم، وسجنهم. حتى إذا تمكنوا منهم قضوا عليهم، بالوسائل التي تضمن ـ بنظرهم ـ عدم إثارة شكوك الناس وظنونهم.

التشيع للعلويين:

وبعد كل الذي قدمناه، فإن من الطبيعي أن نرى العلويين يتمتعون بالاحترام والتقدير من مختلف الفئات والطبقات، وأن نرى ازدياد احترام الناس، وتقديرهم لهم باستمرار.. حتى لقد كان لهم في نفوسهم من عميق الحب، وصادق المودة، ما أرهب العباسيين، وأرعبهم. وحتى لقد رأينا الرشيد نفسه ـ وهو طاغية بني العباس بلا منازع ـ يشكو لعظيم البرامكة، يحيى بن خالد غمه وحيرته في أمر الإمام موسى (عليه السلام)، رغم أنه (عليه السلام) كان في السجن. ونرى يحيى بن خالد يعترف بدوره بأن: الإمام «المسجون» قد أفسد عليهم قلوب شيعتهم!!(1) ولا يجب أن نستغرب شكوى الرشيد تلك. ولا اعتراف يحيى هذا بعد أن التشيع يجد سبيله إلى كل قلب، وكل فؤاد، حتى

____________

(1) الغيبة للشيخ الطوسي ص 20، والبحار.

الصفحة 133
وزراء العباسيين، وقوادهم، بل وحتى نساء الخلفاء أنفسهم.

فهذه أم الخليفة المهدي تقيم خادما لقبر الحسين (عليه السلام)، وتجري عليه كل شهر ثلاثين درهما، دون أن يعلم بها أحد(2).

وهذه بنت عم المأمون، التي كان لها نفوذ قوي عنده، يذكر المؤرخون أنها كانت تميل إلى الإمام الرضا (عليه السلام).

بل وحتى «زبيدة»، زوجة الرشيد، وحفيدة المنصور، وأعظم عباسية على الإطلاق، يقال: إنها كانت تتشيع، وعندما علم الرشيد بذلك حلف أن يطلقها(3).. ولعل لهذا السبب أحرق أهل السنة قبرها مع ما أحرقوا من قبور بني بويه وقبر الكاظم (عليه السلام) وذلك عندما وقعت الفتنة العظيمة بين السنة والشيعة سنة 443 ه‍ (4).

وأما وزراء العباسيين، فأمرهم أظهر من أن يحتاج إلى بيان، فإن التاريخ يحدثنا: أن العباسيين، ابتداء من السفاح، كانوا غالباً يبطشون بوزرائهم، بسبب اطلاعهم على تشيعهم، وممالاتهم للعلويين، ابتداء بأبي سلمة، فأبي مسلم، فيعقوب بن داوود. وهكذا إلى أن ينتهي الأمر بالفضل بن سهل، وغيره من بعده، بل وحتى نكبة البرامكة يقال: إن سببها هو تشيعهم للعلويين!. وإن كان يقال: أن الرضا (عليه السلام) دعا عليهم، لأنهم كانوا سبب قتل أبيه..

إلا إذا كان تظاهرهم بمحبة العلويين مجاراة للرأي العام، وسياسة منهم؛ فاستغل ذلك الرشيد ضدهم.

نعم لقد بلغ الأمر حداً أصبح معه

____________

(1) كلمة «التشيع» التي ترد في هذا الكتاب، لا أقصد بها غالباً ـ التشيع بمفهومه الأخص، والمذهب المعروف، وإنما أقصد بها مجرد الولاء والحب للعلويين، وتأييدهم ضد خصومهم، سواء أكان ذلك من الشيعة بالمعنى المعروف، أو من غيرهم من أهل الفرق الإسلامية الأخرى.

(2) الطبري ج 11 / 752، طبع ليدن.

(3) ذكر ذلك الصدوق في المجالس، فراجع: رجال المامقاني، مادة: «زبيدة».

(4) الكنى والألقاب ج 2 / 289 نقلاً عن ابن شحنة في روضة المناظر.

الصفحة 134
التسمي ب‍ «الوزير». يعتبر شؤماً: وينفر الناس منه كل النفور، كما سنشير إليه فيما يأتي إن شاء الله تعالى.

وأما عن أمرائهم وقوادهم، فالأمر فيهم أوضح وأجلى، حيث إنهم ما كانوا يرون إلا والياً أو قائداً يخرج عليهم داعياً للعلويين، أو آخر قد خلع طاعتهم، واستجاب لدعوة خصومهم آل علي، أو ثالث يخشى أن يميل إليهم، ويتعاطف معهم.. وقد بدأ قوادهم بالخروج عليهم من زمن السفاح، الذي خرج عليه ابن شيخ المهري، داعياً لآل علي، وبعد ذلك كانت ثورة القواد على المنصور داعين إلى موالاة أهل البيت، وقامت ثورة ضد المنصور، وداعية للعلويين في نفس خراسان، وذلك في سنة 140 ه‍. وبعد ذلك وفي زمن المهدي العباسي قامت ثورة أخرى في خراسان تدعو إلى آل أبي طالب بقيادة صالح بن أبي حبال. وعظم شأنه جداً، ولم يمكنهم القضاء عليه إلا بإعمال الحيلة(1) وأما في زمن الرشيد، فقد ثارت الفتن بين أهل السنة والرافضة، على حد تعبير النجوم الزاهرة.

الخطر الحقيقي:

وأما الذي كان يكمن فيه الخطر الحقيقي، وكان يهز الدولة، ويزعزع من أركانها. فهو ثورات العلويين أنفسهم، حتى ليقال:

إنه قد بويع لمحمد بن عبد الله بن الحسن، وأخيه إبراهيم في أكثر الأمصار، وذلك في سنة 145 ه‍. وبعد ذلك كانت واقعة فخ المشهورة، ثم استمر الحال على ذلك، فلم يكن العباسيون يرون، إلا علوياً ثائراً، أو أنه يدبر للثورة، حتى أوائل زمن المأمون، حيث بلغت الحالة فيه

____________

(1) راجع: لطف التدبير ص 105.

الصفحة 135
في السوء والتدهور الغاية، وأوفت على النهاية. حتى ليقال: إن الثورات العلوية، التي قامت فيما بين عهد السفاح، وأوائل عهد المأمون، وبالتحديد إلى حوالي سنة 200 ه‍ أي فيما يقل عن سبعين عاما، قد قاربت الثلاثين ثورة، هذا بغض النظر عن الثورات الأخرى التي كانت تدعو لهم. وإلى موالاتهم..

وستأتي الإشارة إلى بعض الثورات العلوية التي قامت ضد المأمون بالخصوص، وإلى أنه حتى قائده العظيم، طاهر بن الحسين، ـ بل وجميع آل طاهر(1) ـ وكذلك وزيره الفضل بن سهل، وهرثمة بن أعين، وغيرهم، وغيرهم، كانوا يتهمون بالتشيع للعلويين..

ولسوف يتضح أن الوضع في عهده قد أصبح إلى حد كبير شبيهاً بالوضع الذي كان سائداً في أواخر عهد الأمويين، بفارق واحد بسيط، لو استمر الحال لتسارع لذلك الفارق الضعف والوهن، وذلك الفارق هو: أنه لا يزال كثير من الناس المخدوعين بدعايات العباسيين يعتبرون تلك المنازعات طبيعية بين من يستحقون الخلافة!!!.

ويبقى هنا سؤال:

لماذا لم تكن ثورات العلويين، أو الثورات الداعية لهم. تصادف النجاح، مع أنها كانت تحظى بالتأييد الواسع، في مختلف فئات الشعب، وطبقاته؟!..

وجوابنا عن هذا السؤال هو: أن الذي يراجع التاريخ يرى ـ بما لا مجال معه للشك ـ: أن تلك الثورات لم يكن يسبقها التخطيط،

____________

(1) راجع: الكامل لابن الأثير، حوادث سنة 250 ه‍.

الصفحة 136
والإعداد الكافيان، وما كان العباسيون ليعطوها الفرصة لتخطيط وإعداد يمكن أن يصل إلى درجة تمكنه من أن يذهب بدولة الجبارين.

هذا بالإضافة إلى فساد القيادة القبلية آنذاك، والتي كانت السبب الأول والأخير لنجاح أية ثورة أو فشلها.. وسيأتي تفصيل ذلك على النحو الكافي والشافي، في فصل: مدى جدية العرض، إن شاء الله.

ونتيجة كل ذلك:

وهكذا.. يتضح: أن سياسات العباسيين، لم تستطع أن تحقق لهم الأهداف التي كانوا يتوخون تحقيقها، وإنما كانت نتائجها عكسية بالنسبة إليهم، ودماراً ووبالاً عليهم، قبل أن تكون وبالاً على أي من خصومهم. وبالأخص أبناء عمهم العلويين..

https://ahlalbayt12.7olm.org

Admin


Admin

القسم الثاني


ظروف البيعة وأسبابها




1 ـ شخصية الإمام الرضا (عليه السلام).

2 ـ من هو المأمون؟.

3 ـ آمال المأمون، وآلامه..

4 ـ ظروف البيعة وأسبابها.

5 ـ أسباب البيعة لدى الآخرين.

الصفحة 138
الصفحة 139

شخصية الإمام الرضا (عليه السلام)

لمحات:

الإمام الرضا (عليه السلام)، هو ثامن الأئمة الاثني عشر، الذين نص عليهم النبي (صلى الله عليه وآله): علي بن موسى، بن جعفر، بن محمد، بن علي، ابن الحسين، ابن علي، بن أبي طالب، صلوات الله عليهم أجمعين..


ستة آباؤه من هــــــم أفضل من يشرب صوب الغمام


كنيته: أبو الحسن.

ومن ألقابه: الرضا، والصابر، والزكي، والولي.

نقش خاتمه: حسبي الله.

وقيل: بل نقشه: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله(1).

ولد في المدينة سنة 148 ه‍. أي: في نفس السنة التي توفي فيها

____________

(1) لنا رأي بالنسبة للقب، ونقش الخاتم: وهو أنه كثيراً ما يعبر عن ظاهرة من نوع معين، وظروف اجتماعية، وسياسية، ونفسية، وغير ذلك. وكذلك عن مميزات، وملكات شخصية خاصة. ونأمل أن نوفق لبحث هذا الموضوع مستوفى في فرصة أخرى إن شاء الله.

الصفحة 140
جده الإمام الصادق (عليه السلام) على قول أكثر العلماء والمؤرخين مثل:

المفيد في الإرشاد، والشبراوي في الإتحاف بحب الأشراف، والكليني في الكافي، والكفعمي في المصباح، والشهيد في الدروس، والطبرسي في أعلام الورى، والفتال النيسابوري في روضة الواعظين، والصدوق في علل الشرايع، وتاج الدين محمد بن زهرة في غاية الاختصار، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة، والأردبيلي في جامع الرواة، والمسعودي في مروج الذهب، وإن كان في كلامه اضطراب، وأبو الفداء في تاريخه، والكنجي الشافعي في كفاية الطالب، وابن الأثير في كامله، وابن حجر في صواعقه، والشبلنجي في نور الأبصار، والبغدادي في سبائك الذهب، وابن الجوزي في تذكرة الخواص، وابن الوردي في تاريخه، ونقل عن تاريخ الغفاري، والنوبختي. وكان عتاب بن أسد يقول: إنه سمع جماعة من أهل المدينة يقولون ذلك، وغير هؤلاء كثير.

وذهب آخرون ـ وهم الأقل ـ إلى أن ولادته (عليه السلام)، كانت سنة 153 ه‍. منهم: الإربلي في كشف الغمة، وابن شهرآشوب في المناقب، والصدوق في عيون الأخبار، وإن كان في كلامه اضطراب، والمسعودي في إثبات الوصية، وابن خلكان في وفيات الأعيان، وابن عبد الوهاب في عيون المعجزات، واليافعي في مرآة الجنان..

وقيل: إن ولادته كانت سنة 151 ه‍.

والقول الأول هو الأقوى والأشهر. ولم يذهب إلى القولين الأخيرين إلا قلة..

وتوفي (عليه السلام) في طوس سنة 203 ه‍. على قول معظم العلماء، والمؤرخين، والشاذ النادر لا يلتفت إليه..

الصفحة 141
وبعد:

فأما علمه، وورعه وتقواه:

فذلك مما اتفق عليه المؤرخون أجمع، يعلم ذلك بأدنى مراجعة للكتب التاريخية، ويكفي هنا أن نذكر أن نفس المأمون قد اعترف بذلك، أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة. بل في كلامه: أن الرضا (عليه السلام) أعلم أهل الأرض، وأعبدهم. ولقد قال لرجاء بن أبي الضحاك: «.. بلى يا ابن أبي الضحاك، هذا خير أهل الأرض، وأعلمهم، وأعبدهم»(1).

وقد قال أيضاً للعباسيين، عندما جمعهم، في سنة 200 ه‍. وهم أكثر من ثلاثة وثلاثين ألفاً(2):

«إنه نظر في ولد العباس، وولد علي رضي الله عنهم، فلم يجد أحداً أفضل، ولا أورع، ولا أدين، ولا أصلح. ولا أحق بهذا الأمر من علي بن موسى الرضا(3).

____________

(1) راجع: البحار ج 49 ص 95، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 183، وغير ذلك.

(2) مروج الذهب ج 3 ص 440، والنجوم الزاهرة ج 2 ص 166، وغاية المرام للعمري الموصلي ص 121، ومآثر الإنافة في معالم الخلافة ج 1 ص 212، والطبري، طبع ليدن ج 11 ص 1000، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 333، وغير ذلك.

وورد ذلك أيضاً في رسالة الحسن بن سهل، لعيسى بن أبي خالد، فراجع: الطبري ج 11 ص 1012، وتجارب الأمم ج 6 المطبوع مع العيون والحدائق ص 430.

هذا.. ولكن في تاريخ التمدن الإسلامي، ج 1 ص 176 ويؤيده ما في وفيات الأعيان لابن خلكان، طبع سنة 1310 ج 1 ص 321، ويساعد عليه الاعتبار أيضاً: أن الذين أحصوا آنئذٍ هم: العباسيون خاصة المأمون، دون غيرهم من سائر بني العباس.

(3) راجع: مروج الذهب ج 3 ص 441، والكامل لابن الأثير ج 5 ص 183، والفخري في الآداب السلطانية ص 217، والطبري، طبع ليدن ج 11 ص 1013، ومختصر تاريخ الدول ص 134، وتجارب الأمم ج 6 ص 436.

=>

الصفحة 142
قال عبد الله بن المبارك:


هذا علي والهدى يقوده من خير فتيان قريش عوده(1)


ولوضوح هذا الأمر نكتفي هنا بهذا المقدار، وننتقل إلى الحديث عن أمور هامة أخرى، وما يهمنا في المقام إعطاء لمحة “ريعة عن مكانته، وشخصيته (عليه السلام)، فنقول:

وأما مركزه وشخصيته (عليه السلام):

فهو من الأمور البديهية، التي لا يكاد يجهلها أحد، وقد ساعده سوء الأحوال بين الأمين والمأمون على القيام بأعباء الرسالة، وعلى زيادة جهوده، ومضاعفة نشاطاته، حيث قد فسح المجال لشيعته للاتصال به، والاستفادة من توجيهاته، مما أدى بالتالي ـ مع ما كان يتمتع به (عليه السلام) من مزايا فريدة، وما كان ينتهجه من سلوك مثالي ـ إلى تحكيم مركزه، وبسط نفوذه في مختلف أرجاء الدولة الإسلامية، يقول الصولي:


ألا إن خير الناس نفساً ووالداً ورهطاً وأجداداً علي المعظم
أتينا به للحلم والعلم ثامنــاً إماماً يؤدي حجة الله يكتم(2)


بل لقد قال هو نفسه (عليه السلام) مرة للمأمون. وهو يتحدث عن ولاية

____________


<=

وفي مرآة الجنان ج 2 ص 11، قال: إنه لم يجد في وقته أفضل، ولا أحق بالخلافة، من علي بن موسى الرضا. ونحو ذلك ما في البداية والنهاية ج 10 ص 247، وينابيع المودة للحنفي ص 385، ونظرية الإمامة ص 386 ووفيات الأعيان طبع سنة 1310 ه‍. ج 1 ص 321، وإمبراطورية العرب، وغير ذلك.

(1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 362.

(2) نفس المصدر ج 4 ص 332، وهي في مقتبس الأثر ج 22، ص 328، لكنه لم يذكر قائلها..

الصفحة 143
العهد: «.. وما زادني هذا الأمر، الذي دخلت فيه في النعمة عندي شيئاً، ولقد كنت في المدينة، وكتابي ينفذ في المشرق والمغرب، ولقد كنت أركب حماري، وأمر في سكك المدينة، وما بها أعز مني»(1).

ويكفي أن نذكر هنا قول ابن مؤنس ـ عدو الإمام (عليه السلام)، وقد أسر (عليه السلام) للمأمون بشيء، قال ابن مؤنس: «.. يا أمير المؤمنين، هذا الذي بجنبك والله صنم يعبد دون الله»(2).

وفي الكتاب الذي طلب المأمون فيه من الرضا أن يجمع له أصول الدين، وفروعه، قال المأمون: إن الإمام: «حجة الله على خلقه، ومعدن العلم، ومفترض الطاعة»(3). كما أن المأمون كان يعبر عن الرضا (عليه السلام) ب‍: «أخيه»، ويخاطبه ب‍ «يا سيدي».

وكتب للعباسيين يصف الرضا، ويقول: «.. وأما ما كنت أردته من البيعة لعلي بن موسى، بعد استحقاق منه لها في نفسه، واختيار مني له.. إلى أن قال: وأما ما ذكرتم من استبصار المأمون في البيعة لأبي الحسن، فما بايع له إلا مستبصراً في أمره، عالما بأنه لم يبق على ظهرها أبين فضلاً، ولا أظهر عفة، ولا أورع ورعا، ولا أزهد زهداً في الدنيا، ولا أطلق نفساً، ولا أرضى في الخاصة والعامة، ولا أشد في ذات الله منه»(4).

____________

(1) البحار ج 49 ص 155، و ص 144، والكافي ج 8 ص 151، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 167.

(2) البحار ج 49 ص 166، وأعيان الشيعة ج 4 قسم 2 ص 138، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 161، ومسند الإمام الرضا ج 1 ص 86.

(3) نظرية الإمامة ص 388.

(4) الرسالة مذكورة في أواخر هذا الكتاب.

الصفحة 144
وفي كل ما قدمناه دلالة واضحة على سجايا الإمام، ومركزه، وشخصيته. وكما يقولون: «والفضل ما شهدت به الأعداء».

ومما يدل على مكانته وهيبته ما ورد في رواية أخرى، يقول فيها المتحدث: «.. دخلنا [أي هو والرضا (عليه السلام)] على المأمون، فإذا المجلس غاص بأهله، ومحمد بن جعفر في جماعة الطالبيين والهاشميين، والقواد حضور. فلما دخلنا قام المأمون، وقام محمد بن جعفر، وجميع بني هاشم، فما زالوا وقوفا والرضا جالس مع المأمون، حتى أمرهم بالجلوس، فجلسوا، فلم يزل المأمون مقبلا عليه ساعة الخ»(1).

وأما ما جرى في نيسابور:

فلا يكاد يخلو منه كتاب يتعرض لأحوال الرضا (عليه السلام)، ومسيره إلى مرو، فإنه عندما دخل نيسابور تعرض له الحافظان: أبو زرعة الرازي، ومحمد بن أسلم الطوسي، ومعهما من طلبة العلم ما لا يحصى، وتضرعوا إليه أن يريهم وجهه، فأقر عيون الخلائق بطلعته، والناس على طبقاتهم قيام كلهم. وكانوا بين صارخ، وباك، وممزق ثوبه، ومتمرغ في التراب، ومقبل لحافر بغلته، ومطول عنقه إلى مظلة المهد، إلى أن انتصف النهار، وجرت الدموع كالأنهار، وصاحت الأئمة: «معاشر الناس، أنصتوا، وعوا، ولا تؤذوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في عترته» فأملى صلوات الله عليه، عليهم، بعد أن ذكر السلسلة الذهبية الشهيرة

____________

(1) مسند الإمام الرضا ج 2 ص 76، والبحار ج 49 ص 175، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 156.

الصفحة 145
السند، قوله: «لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي».

فلما مرت الراحلة أخرج رأسه مرة ثانية إليهم، وقال: «بشروطها، وأنا من شروطها».

فعد أهل المحابر والدوى، فأنافوا على العشرين ألفاً. كذلك وصف المؤرخون هذه الحادثة الشهيرة(1).. ولسوف نتحدث عن هذه القضية بالتفصيل في فصل: «خطة الإمام» إن شاء الله تعالى.

وعن أسناد هذه الرواية، الذي أورده الإمام (عليه السلام)، يقول الإمام أحمد بن حنبل: «لو قرأت هذا الإسناد على مجنون لبرئ من جنته». على ما في الصواعق المحرقة، ونزهة المجالس(2) وغير ذلك.

ونقل أن بعض أمراء السامانية بلغه هذا الحديث بسنده، فكتبه بالذهب، وأوصى أن يدفن معه.

____________

(1) نقله في مجلة مدينة العلم، السنة الأولى ص 415 عن صاحب تاريخ نيسابور، وعن المناوي في شرح الجامع الصغير، وهي أيضاً في الصواعق المحرقة ص 122، وحلية الأولياء 3 ص 192، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 135، وأمالي الصدوق ص 208، وينابيع المودة ص 364، و ص 385، وقد ذكر قوله (عليه السلام): وأنا من شروطها، في الموضع الثاني فقط. والبحار ج 49 ص 123، 126، 127، والفصول المهمة لابن الصباغ ص 240، ونور الأبصار ص 141، ونقلها في مسند الإمام الرضا ج 1 ص 43، 44، عن التوحيد ومعاني الأخبار وكشف الغمة ج 3 ص 98. وهي موجودة في مراجع كثيرة أخرى. لكن يلاحظ أن بعض هؤلاء قد حذف قوله (عليه السلام): «بشروطها، وأنا من شروطها» ولا يخفى السبب في ذلك.

(2) وفيه في ج 1 ص 22، قال: «إنه [أي الإمام أحمد] قرأها على مصروع فأفاق».

الصفحة 146
وها نحن أمام نصوص أخرى:

وكذلك نرى هيبة الإمام (عليه السلام) وقوة شخصيته، في موقفه مع الفضل ابن سهل ـ أعظم رجل في البلاط العباسي ـ وذلك عندما طلب منه الفضل كتاب الضمان، والأمان، حيث أوقفه ساعة، ثم رفع رأسه إليه، وسأله عن حاجته، فقال: «يا سيدي. إلى أن قال الراوي: ثم أمره بقراءة الكتاب ـ وكان كتاباً في أكبر جلد ـ فلم يزل قائماً حتى قرأه! الخ»(1).

ثم رأينا المأمون عندما قتل الفضل بن سهل ذا الرئاستين، وشغب عليه القواد والجند، ومن كان من رجال ذي الرئاستين، وقد جاؤا بالنيران ليحرقوا الباب عليه، ليصلوا إليه ـ قد رأينا ـ كيف هرع إلى الإمام، يطلب منه أن يتدخل لإنقاذه، فخرج (عليه السلام) إليهم، وأمرهم بالتفرق، فتفرقوا.. يقول ياسر الخادم: «فأقبل الناس والله، يقع بعضهم على بعض، وما أشار لأحد إلا ركض، ومر، ولم يقف»(2). ونجا المأمون بذلك بجلده، واحتفظ بحياته.

وفي كتاب العهد الذي كتبه المأمون بخط يده ـ كما صرح به كل من تعرض له ـ فقرات تدل على سجايا الإمام، وعلى مركزه، وشخصيته، يقول المأمون عنه: «.. لما رأى من فضله البارع، وعلمه

____________

(1) أعيان الشيعة ج 4 قسم 2 ص 139، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 162، 163 والبحار ج 49 ص 168، ومسند الإمام الرضا ج 1 ص 88.

(2) المناقب ج 4 ص 347، وروضة الواعظين ج 1 ص 273، وكشف الغمة ج 3 ص 70، والكافي ج 1 ص 490، 491، وأعلام الورى ص 324، وأعيان الشيعة ج 4. قسم 2 ص 110، 140، طبعة ثالثة، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 164، وإرشاد المفيد ص 314، والبحار ج 49 ص 169، ومعادن الحكمة ص 183، وشرح ميمية أبي فراس ص 198، 199.

الصفحة 147
الناصع، وورعه الظاهر، وزهده الخالص، وتخليه من الدنيا، وتسلمه من الناس.

وقد استبان له ما لم تزل الأخبار عليه متواطية، والألسن عليه متفقة، والكلمة فيه جامعة، ولما لم يزل يعرفه به من الفضل يافعاً، وناشياً، وحدثاً، ومكتهلاً الخ..» وكتاب العهد مذكور في أواخر هذا الكتاب..

وفي نهاية المطاف:

فإن الإمام (عليه السلام) هو أحد العشرة، الذين هم على حد تعبير الجاحظ: «كل واحد منهم: عالم، زاهد، ناسك، شجاع، جواد، طاهر، زاك، والذين هم بين خليفة، أو مرشح لها»(1).

وهو على ما في النجوم الزاهرة: «سيد بني هاشم في زمانه، وأجلهم، وكان المأمون يعظمه، ويجله، ويخضع له، ويتفانى فيه»(2).

ومثله ما عن سنن ابن ماجة، على في خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 278.

وقال عنه (عليه السلام) عارف تامر: «يعتبر من الأئمة الذين لعبوا دوراً كبيراً على مسرح الأحداث الإسلامية في عصره»(3).

وأخيراً.. فقد وصفه أبو الصلت، ورجاء بن أبي الضحاك، وإبراهيم ابن العباس، وغيرهم، وغيرهم. بما لو أردنا نقله لطال بنا الكلام. وحسبنا ما ذكرنا، فإننا إذا أردنا أن نلم بما قيل في حق الإمام (عليه السلام) لاحتجنا إلى تأليف خاص، ووقت طويل..

____________

(1) آثار الجاحظ ص 235.

(2) النجوم الزاهرة ج 2 ص 74.

(3) الإمامة في الإسلام ص 125.

الصفحة 148

من هو المأمون؟

لمحات:

هو عبد الله بن هارون الرشيد.

أبوه: خامس خلفاء بني العباس.. وهو سابعهم، بعد أخيه الأمين.

أمه: جارية خراسانية، اسمها: «مراجل». وقد ماتت بعد ولادتها إياه، وهي ما تزال نفساء. فنشأ يتيم الأم.

وقد كانت أمه ـ كما يقول المؤرخون ـ أشوه، وأقذر جارية في مطبخ الرشيد.

وذلك هو الذي يجعلنا نصدق القصة التي تقال عن السبب في حملها به(1).

____________

(1) وتحكى هذه القصة على النحو التالي: أن زبيدة لاعبت الرشيد بالشطرنج على الحكم والرضا، فغلبته، فحكمت عليه أن يطأ أقبح وأقذر وأشوه جارية في المطبخ، فبذل لها خراج مصر والعراق لتعفيه من ذلك، فلم تقبل، ولم تجد جارية تجمع الصفات المذكورة غير مراجل، فطلبت إليه أن يطأها، فجاء المأمون..

راجع حياة الحيوان للدميري ج 1 ص 72، وأعلام الناس في أخبار البرامكة، وبني العباس للاتليدي ص 106، 107، وعيون التواريخ. وأشار إليها إشارة واضحة: الإسحاقي في

=>

الصفحة 149
دفعه أبوه إلى جعفر بن يحيى البرمكي، فنشأ في حجره، كانت ولادته في سنة 170 ه‍. في نفس الليلة التي تولى فيها أبوه الخلافة.

وكانت وفاته سنة 218 ه‍.

وكان مربيه الفضل بن سهل، ثم أصبح وزيره، وهو المعروف بذي الرئاستين.

وكان قائده: طاهر بن الحسين ذو اليمينين..

ميزات وخصائص:

وقد كانت حياته حياة جد ونشاط، وتقشف، على العكس من أخيه الأمين، الذي نشأ في كنف «زبيدة»، وما أدراك ما «زبيدة»، فقد كانت حياته حياة نعمة وترف، يميل إلى اللعب والبطالة، أكثر منه إلى الجد والحزم. يظهر ذلك لكل من راجع تاريخ حياة الأخوين..

ولعل سر ذلك يعود إلى أن المأمون لم يكن كأخيه، يشعر بأصالة محتده، ولا كان مطمئنا إلى مستقبله، وإلى رضا العباسيين به. بل كان يقطع بعدم رضاهم به خليفة وحاكماً، ولهذا. فقد وجد أنه ليس لديه أي رصيد يعتمد عليه غير نفسه، فشمر عن ساعد الجد، وبدأ يخطط لمستقبله منذ اللحظة الأولى التي أدرك فيها واقعه، والمميزات التي كان يتمتع بها أخوه الأمين عليه..

____________


<=

لطائف أخبار الأول ص 74، وكذلك في روض الأخبار المنتخب من ربيع الأبرار ص 157. ولا ينافي ذلك أن ولد في الليلة التي تولى فيها أبوه الخلافة، فإن أولياء العهد كانوا يتولون أعظم الولايات من قبل الخلفاء، وقد قسم الرشيد الدولة كلها بين أولاده الثلاثة: الأمين، والقاسم، ولم يبق لنفسه شيئاً، وهو على قيد الحياة..

الصفحة 150
بل نلاحظ: أنه كان يستفيد من أخطاء أخيه الأمين، فإن: «الفضل عندما رأى اشتغال الأمين باللهو واللعب، أشار على المأمون بإظهار الورع والدين، وحسن السيرة، فأظهر المأمون ذلك.. وكان كلما اعتمد الأمين حركة ناقصة اعتمد المأمون حركة شديدة»(1).

ومن هنا نعرف السر فيما يظهر من رسالته للعباسيين، حيث نصب فيها نفسه واعظا تقيا، وأضفى عليها هالة من التقى والورع!! والزهد في الدنيا!! والالتزام بأحكام الشريعة، وتعاليم الدين!!. ليروه ويراه الناس نوعية أخرى تفضل نوعية أخيه الأمين، وتزيد عليها..

ما يقال عن المأمون:

وعلى كل حال.. فإن المأمون كان قد برع في العلوم والفنون، حتى فاق أقرانه، بل فاق جميع خلفاء بني العباس..

وقد قال بعضهم: «لم يكن في بني العباس أعلم من المأمون»(2).

وقال عنه ابن النديم إنه: «أعلم الخلفاء بالفقه والكلام»(3).

وقال عنه محمد فريد وجدي: «لم يل الخلافة بعد الخلفاء الراشدين أكفأ منه»(4).

وفي الأخبار الطوال: «وكان شهماً، بعيد الهمة، أبي النفس، وكان نجم بني العباس في العلم والحكمة»

____________

(1) الفخري في الآداب السلطانية ص 212. ولكن سيأتي أن المأمون هو الذي طلب من الفضل: أن يشيع عنه الزهد والتقوى، وليس الفضل هو المشير عليه بذلك..

(2) حياة الحيوان للدميري ج 1 ص 72.

(3) فهرست ابن النديم، طبع مطبعة الاستقامة في القاهرة ص 174.

(4) دائرة المعارف الإسلامية ج 1 ص 620.

الصفحة 151
بل لقد روي عن الإمام علي (عليه السلام)، أنه قال ـ وهو يصف خلفاء بني العباس ـ: «سابعهم أعلمهم»(1).

وقد وصفه السيوطي وابن تغري بردى، وابن شاكر الكتبي، فقالوا: «وكان أفضل رجال بني العباس: حزماً، وعزماً، وحلماً، وعلماً، ورأياً، ودهاء(2) وهيبة، وشجاعة، وسؤدداً، وسماحة،

____________

(1) مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 276، وسفينة البحار ج 2 ص 332، مادة: «غيب».

(2) دهاء المأمون، وحنكته، وسياسته من المسلمات، والأمثلة على ذلك كثيرة، فقد روى لنا ابن عبد ربه في العقد الفريد ج 1 ص 123، والجهشياري في الوزراء والكتاب ص 311: كيف أنه بين للفضل بن سهل: أن أخاه الأمين كان يستطيع أن ينتصر عليه، لو أنه أرسل إلى أهل البلاد التي يحكمها المأمون يخبرهم: «أنه قد وضع عنهم الخراج إلى سنة. فحينئذ، إن لم يقبل المأمون، قامت البلاد ضده، وإن قبل لم يجد ما يعطي الجند، فيقومون ضده، وفي كلا الحالتين يكون النصر للأمين، لو وقعت بينهما الحرب، فحمد الفضل ربه، على أن لم يهتد الأمين، وأتباعه إلى هذا الرأي. وإن كان في العقد الفريد للملك السعيد، ص 50 ينسب هذا الرأي إلى الشيخ أبي الحسن القطيفي، وأنه أشار به على الأمين، فلم يقبله. وفي المحاسن والمساوي طبع مصر ج 2 ص 77، 78، نسبة إلى شيخ مسن أشار به على الأمين فلم يقبل منه.

وقد رأينا أيضاً: أنه عندما تسلم زمام الحكم قد طلب من الفضل: أن يشيع عنه الزهد والتقوى والورع، ففعل.. راجع تاريخ التمدن الإسلامي ج 4 ص 261.

ورأينا كذلك: أنه يقتل الفضل، ويبكي عليه، ويقتل قتلته، ويقتل الرضا، ثم يبكي عليه. ويقتل طاهرا، ويولي أبناءه مكانه.. ورأينا أيضاً: أنه يولي الرضا العهد، ويوهم العباسيين: أن ذلك كان من تدبير الفضل، ويقتل أخاه، ويوهمهم أن الذنب في ذلك على الفضل وطاهر. إلى آخر ما هنالك، مما سيأتي، وغيره، مما يدل على عمقه، ودهائه، وحنكته، وسياسته.. وأن الفضل وغيره، ما كانوا إلا دمى له، يلهو ويلعب بها، ويحركها كيف شاء، وحيثما أراد..

الصفحة 152
لولا أنه شان ذلك كله. بالقول بخلق القرآن(1)، ولم يل الخلاقة من بني العباس أعلم منه.»(2).

شهادة ذات أهمية:

وقد شهد له أبوه نفسه بالتقدم على أخيه الأمين، قال: «.. وقد عنيت بتصحيح هذا العهد، وتصييره إلى من أرضى سيرته، وأحمد طريقته، وأثق بحسن سياسته، وآمن ضعفه ووهنه، وهو: عبد الله. وبنو هاشم ـ يعني العباسيين ـ مائلون إلى محمد بأهوائهم، وفيه ما فيه من الانقياد لهواه، والتصرف مع طويته، والتبذير لما حوته يده، ومشاركة النساء، والإماء في رأيه، و عبد الله المرضي الطريقة، الأصيل الرأي، الموثوق به في الأمر العظيم، فإن ملت إلى عبد الله، أسخطت بني هاشم، وإن أفردت محمداً بالأمر، لم آمن تخليطه على الرعية..»(3).

وقال أيضاً: «إني لأعرف في عبد الله حزم المنصور، ونسك المهدي، وعزة الهادي، ولو شئت أن أنسبه إلى الرابع ـ يعني نفسه ـ لنسبته، وقد قدمت محمداً عليه، وإني لأعلم أنه منقاد لهواه، مبذر

____________

(1) قال القلقشندي في كتابه: مآثر الإنافة في معالم الخلافة ج 1 ص 213: إنه قد طعن الناس!! على المأمون ثلاثة أشياء: الأول: القول بخلق القرآن!!. الثاني: التشيع. الثالث: بث علوم الفلاسفة بين المسلمين.

فتأمل، بالله عليك بهذه الأمور، التي عدوها من المطاعن، وبعد ذلك: فاضحك، أو فابك على عقول هؤلاء الجهلاء، الذين يسميهم الناس، أو يسمون أنفسهم علماء!!!

والعلم من هؤلاء وأمثالهم بريء..

(2) تاريخ الخلفاء ص 306، وفوات الوفيات ج 1 ص 239، والنجوم الزاهرة، وتاريخ الخميس ج 2 ص 334.

(3) مروج الذهب طبع بيروت ج 3 ص 352، 353.

الصفحة 153
لما حوته يده، يشاركه في رأيه الإماء والنساء، ولولا أم جعفر ـ يعني زبيدة ـ وميل بني هاشم، لقدمت عبد الله عليه..»(1). يعني في ولاية العهد.

____________

(1) راجع شرح قصيدة ابن عبدون لابن بدرون ص 245، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 307، وقريب منه ما في الأخبار الطوال ص 401، والإتحاف بحب الأشراف ص 96، وتاريخ الخميس ج 2 ص 334.

هذا.. والرشيد هنا يدعي النسك للمهدي مع أن كتب التاريخ زاخرة بأخبار بذخه، ولهوه ولعبه، ويكفي أن نذكر هنا: أنه قد سلم الأمر ليعقوب بن داوود، وانصرف إلى ملذاته وشهواته، حتى قال فيه بشار بن برد أبياته المشهورة:


بني أمية هبوا طال نومكـــم إن الخليفة يعقوب بن داوود
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا خليفة الله بين الزق والعـود


فراجع: الفخري في الآداب السلطانية ص 184، 185، وتاريخ التمدن الإسلامي المجلد الأول جزء 2 ص 407، والبداية والنهاية، وأي كتاب تاريخي شئت..

هذا.. ولعل ما ينسب إليه من الزهد والورع إنما كان بلحاظ ما قدمناه: من تسمية أبيه له ب‍ «المهدي» لكي يكون مهدي الأمة الذي يملأ الأرض قسطا، وعدلا، واخترع أحاديث كثيرة لتأييد مدعاه هذا.

ولكن الحقيقة هي ما قدمناه، من أنه لم يكن يقل في تهتكه واستهتاره عن غيره من الخلفاء، حتى لقد ذكر الطبري في تاريخه، طبع مطبعة الاستقامة ج 6 ص 405، أنه ألبس ابنته «البانوقة» لباس الفتيان، لتمشي في مقدمة الجند والقواد، وقد رفع القباء ثدييها الناهدين، وكانت سمراء، حسنة القد، حلوة، على حد تعبير الطبري. فماذا كان يقصد «المهدي المنتظر»!! من تصرفه هذا!!. فهل كان يريد بذلك أن يملأ الأرض قسطاً وعدلاً؟!!.

ولماذا كان الزاهد الورع!! و «المهدي المنتظر» يعذب الناس بالسنانير والزنابير، ليبتز منهم أموالهم، ويتخذ الاتهام بالزندقة ذريعة للقضاء على خصومه، كما قدمنا، وأيضاً يشرب الخمر، ويسمع الغناء، حتى بلغ في ذلك حدا جعل يعقوب بن داوود يلومه على ذلك، ويقول له: «ما على هذا استوزرتني، ولا على هذا صحبتك الخ..». وفي ذلك يقول بعض الشعراء، يعرض بيعقوب، ويحث المهدي على الاستمرار في

=>

الصفحة 154
وعلى كل حال،. فإن كل من تعرض من المؤرخين وغيرهم، لشرح حال المأمون، قد شهد له بالتقدم، وبأنه رجل خلفاء بني العباس وواحدهم.

وما يهمنا هنا، هو مجرد الإشارة إلى حال المأمون، وما كان عليه من الدهاء والسياسة، وحسن التدبير. ولسنا هنا في صدد تحقيق أحواله، والإحاطة بكافة شؤونه، فإن ذلك لا يناسب الغرض الذي وضع من أجله هذا الكتاب.

وسيمر معنا في الفصول الآتية المزيد من الكلام عن المأمون وظروفه، مما له نحو ارتباط بالموضوع الذي نحن بصدد تحقيقه من قريب، أو من بعيد، إن شاء الله تعالى..

____________


<=

ذلك على ما في البداية والنهاية ج 10 ص 148، 149 ـ يقول في ذلك ـ:


فدع عنك يعقوب بن داوود جانباً واقبل على صهباء طيبة النشر


وأخيراً.. فإننا لا نعرف أحداً يقول بأن المهدي العباسي، هو المهدي الموعود، إلا سلم الخاسر، فقد نقل ذلك عنه ابن المعتز في طبقات الشعراء ص 104، ويدل على ذلك قول الخاسر في قصيدة له يمدح بها المهدي العباسي على ما في الأغاني ج 21 ص 187، طبع دار الفكر:


له شيم عند بذل العطــــاء لا يعرف الناس مقدارهـــا
و «مهدي أمتنا» والــــذي حماها وأدرك أوتارهــــا


والسيد الحميري أيضاً ممن كان قد ظن أنه المهدي حقاً لكن فعاله قد بينت: أنه ليس هو، ولذلك يقول السيد حسبما يروي المرزباني أخبار السيد الحميري [المستدرك] ص 58:


ظننا أنه «المهدي» حقــــاً ولا تقع الأمور كما ظننـــا
ولا والله، ما المهــــدي إلا إماماً فضله أعلى وأسنـــى


ولا بأس بالإشارة هنا إلى ما ذكروه، من أن سبب تسميته بالخاسر: أنه كان عنده مصحف، فباعه، واشترى بثمنه طنبورا، فبقيت من ثمنه بقية، فاشترى بها خمرا!!..

فبورك من مهدي أتباعه أمثال هذا!! وبوركت أمة تعترف بمهدي له تلكم الصفات!!.

https://ahlalbayt12.7olm.org

Admin


Admin

مال المأمون وآلامه

العباسيون لا يرضون بالمأمون!

لا يشك المؤرخون بأن المأمون كان أجدر من الأمين، وأحق بالخلافة(1). بل لقد مر اعتراف الرشيد نفسه بذلك، لكنه اعتذر عن إسناده الأمر الأمين: بأن العباسيين، لا يرضون بالمأمون خليفة، وحاكما، رغم سنه وفضله وكياسته، وأنهم يرجحون أخاه الأمين عليه، قال الرشيد، حسبما تقدم: «وبنو هاشم مائلون إلى محمد بأهوائهم، وفيه ما فيه.. إلى أن قال: فإن ملت إلى ابني عبد الله. أسخطت بني هاشم، وإن أفردت محمداً بالأمر، لم آمن تخليطه على الرعية الخ!!» ومر أيضاً قول الرشيد: «.. ولولا أم جعفر، وميل بني هاشم إليه [أي إلى الأمين] لقدمت عبد الله عليه..».

كما أن المأمون نفسه يقول في رسالته للعباسيين، المذكورة في أواخر هذا الكتاب: «.. وأما ما ذكرتم، مما مسكم من الجفاء في ولايتي، فلعمري ما كان ذلك إلا منكم: بمظافرتكم عليه، وممايلتكم إياه

____________

(1) ليس المراد هنا: الجدارة الحقيقية، التي قررها الله، وبينها محمد (صلى الله عليه وآله)، وإنما المراد الجدارة التي يفهمها هؤلاء، واعتاضوا بها عن حكم الله، وسنة نبيه..

الصفحة 156
[أي الأمين]، فلما قتلته، تفرقتم عباديد، فطوراً أتباعاً لابن أبي خالد، وطوراً أتباعاً لأعرابي، وطوراً أتباعاً لابن شكلة، ثم لكل من سل سيفاً علي. ولولا أن شيمتي العفو، وطبيعتي التجاوز، ما تركت على وجهها منكم أحداً، فكلكم حلال الدم الخ..».

سوف يأتي قول الفضل بن سهل للمأمون: «.. وبنو أبيك معادون لك، وأهل بيتك الخ..».

إلى آخر ما هنالك من النصوص الدالة على حقيقة الموقف السلبي للعباسيين ضد المأمون، وتفضيلهم أخاه الأمين عليه.

سؤال قد تصعب الإجابة عليه:

فما هو السر يا ترى؟ في عدم رضا العباسيين بالمأمون؟! ولماذا يفضلون أخاه أمين عليه؟!! مع أنه هو الأليق والأجدر والأحق بالخلافة!!.

إن الإجابة على هذا السؤال ربما تبدو لأول وهلة صعبة، وشاقة. ولكننا لن نستسلم لهذا الشعور، ولسوف نحاول الإجابة عليه، معتمدين على بعض ما بأيدينا من النصوص التاريخية، التي تلقي لنا ضوءاً كاشفاً على حقيقة القضية، وواقع الأمر: فنقول:

الجواب عن السؤال:

لعل سر انحراف العباسيين عن المأمون إلى أخيه الأمين يرجع إلى أن الأمين كان عباسياً، بكل ما لهذه الكلمة من معنى:

فأبوه: هارون..

الصفحة 157
وأمه: «زبيدة»، حفيدة المنصور، هاشمية(1)، والتي لو نشرت شعرها، لما تعلقت ـ على ما قيل ـ(2) إلا بخليفة، أو ولي عهد، والتي كانت أعظم عباسية على الإطلاق.

وكان في حجر الفضل بن يحيى البرمكي، أخي الرشيد من الرضاعة، وأعظم رجل نفوذاً في بلاط الرشيد.

وكان يشرف على مصالحه الفضل بن الربيع، العربي، الذي كان جده من طلقاء عثمان، والذي لم يكن ثمة من شك في ولائه للعباسيين.

أما المأمون:

فقد كان في حجر جعفر بن يحيى، الذي كان أقل نفوذاً من أخيه الفضل. وكان مؤدبه، والذي يشرف على مصالحه، ذلك الرجل الذي لم يكن العباسيون يرتاحون إليه بشكل خاص، لأنه كان متهما بالميل إلى العلويين. والذي كانت العداوة بينه وبين مربي الأمين، الفضل بن الربيع على أشدها، ذلك الرجل الذي أصبح فيما بعد وزيرا للمأمون، ومدبرا لأموره، وأعني به: «الفضل بن سهل الفارسي»، وقد

____________

(1) وفي الفخري في الآداب السلطانية ص 212، ومروج الذهب ج 3 ص 396، والنجوم الزاهرة ج 2 ص 159، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 303، وتاريخ اليعقوبي ج 3 ص 162: «أنه لم يتفق لخليفة عباسي أن يكون عباسي الأب والأم، غير الأمين»..

ولا بأس أيضاً بمراجعة: مختصر التاريخ ص 130، ومآثر الإنافة في معالم الخلافة ج 1 ص 203، وابن بدرون في شرح قصيدة ابن عبدون ص 243، وزهر الآداب ج 2 ص 993، طبع دار الجيل.

(2) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 306.

الصفحة 158
مل العباسيون الفرس، وخافوهم. ولذا سرعان ما استبدلوهم بالأتراك وغيرهم..

أما أم المأمون. فقد كانت خراسانية غير عربية، وقد ماتت أيام نفاسها به، وحتى لو كانت على قيد الحياة، فإنها ـ وهي أشوه، وأقبح، وأقذر جارية في مطبخ الرشيد ـ لن تستطيع أن تكون مثل زبيدة عظمة، ونفوذا ولو قلنا إن موتها كان في مصلحة المأمون لما عدونا الحقيقة، كيف وقد بلغ من مهانتها ـ في نظر الناس ـ أن كان المأمون يعير بها.

فهذه زينب بنت سليمان. التي كانت عند بني العباس بمنزلة عظيمة، عندما لم يحضر المأمون جنازة ابنها، واكتفى بإرسال أخيه صالح من قبله، تغضب، وتقول لصالح: «قل له: يا بن مراجل، أما لو كان يحيى بن الحسين بن زيد، لوضعت ذيلك على فيك، وعدوت خلف جنازته.»(1).

والرقاشي الشاعر يمدح الأمين، ويعرض بهجاء المأمون، فيقول:


لم تلده أمة تعرف في السوق التجارا
لا ولا حد، ولا خان، ولا في الخزي جارا(2)

يعرض بالمأمون، وأن أمه كانت أمة تباع، وتشرى في الأسواق. بل إن نفس الأمين قد عير أخاه بأمه، فقال:


وإذا تطاولت الرجال بفضلها فاربع فإنك لست بالمتطاول


____________

(1) الكامل لابن الأثير، طبع دار الكتاب العربي ج 5 ص 230، والإمام الصادق والمذاهب الأربعة المجلد الثاني جزء 4 ص 493.

(2) المعارف لابن قتيبة، طبع سنة 1300، والفخري في الآداب السلطانية ص 212.

الصفحة 159

أعطاك ربك ما هويت وإنما تلقى خلاف هواك عند «مراجل»
تعلو المنابر كل يوم آملا ما لست من بعدي إليه بواصل(1)


وقد أقذع في هجائه، حين كتب إليه أيام الفتنة بينهما بقوله:


يا بن التي بيعت بأبخس قيمة بين الملأ في السوق هل من زائد
ما فيك موضع غرزة من إبـرة إلا وفيه نطفة من واحـــد


فأجابه المأمون:


وإنما أمهات الناس أوعية مستودعات وللأماء أكفاء
فلرب معربة ليست بمنجبة وطالما أنجبت في الخدر عجماء(2)


وأخيراً. فإن خير ما يصور لنا الحالة المعنوية التي كان يعاني منها المأمون، هو قول دعبل مخاطبا له:


إني من القوم الذين سيوفهم قتلت أخاك، وشرفتك بمقعد
شادوا بذكرك بعد طول خموله واستنقذوك من الحضيض الأوهد(3)


مركز الأمين هو الأقوى:

وبعد كل ما تقدم. فإن ما لا بد لنا من الإشارة إليه هنا، هو:

____________

(1) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 304.

(2) غاية المرام في محاسن بغداد دار السلام للعمري الموصلي ص 121.

(3) معاهد التنصيص ج 1 ص 202، ووفيات الأعيان، طبع سنة 1310 ه‍. ج 1 ص 179، وتاريخ الخلفاء ص 324، والشعر والشعراء ص 539، 540، والغدير ج 2 ص 376، والعقد والفريد، طبع دار الكتاب العربي ج 2 ص 196، وتاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الثاني جزء 3 ص 115، وزهر الآداب طبع دار الجيل ج 1 ص 134، والكنى والألقاب ج 1 ص 331، وربيع الأبرار ج 1 ص 743.

الصفحة 160
قوة مركز الأمين، بالنسبة إلى أخيه المأمون، حيث قد كان للأمين حزب قوي جداً، وأنصار يستطيع أن يعتمد عليهم، يعملون من أجله، وفي سبيل تأمين السلطة له، وهم: أخواله، والفضل بن يحيى البرمكي، وأكثر البرامكة، إن لم يكن كلهم. وأمه: زبيدة، بل والعرب أيضاً، كما سيأتي.

وإذا ما عرفنا أن هؤلاء هم الذين كانوا يؤثرون على الرشيد كل التأثير، وكان لهم دور كبير في توجيه سياسة الدولة.. فلسوف نرى أنه كان من الطبيعي أن يضعف الرشيد أمام هذه القوة، وينصاع لها.

ومن ثم.. لتؤثر مساعيها أثرها. وتعطي نتيجتها في الوقت المناسب، فيجعل ولاية العهد من بعده لولده الأصغر سنا، وهو الأمين، ويترك الأكبر ـ المأمون ـ ليكون ولي العهد الثاني بعد الأصغر.

ولعل تعصب بني هاشم. وجلالة عيسى بن جعفر قد لعبا دوراً كبيراً في فوز الأمين بالمركز الأول في ولاية عهد أبيه الرشيد(1). هذا عدا عن الدور الرئيسي. الذي لعبته «زبيدة» في تكريس الأمر لصالح ولدها(2).

فيحدثنا المؤرخون: أن عيسى بن جعفر بن المنصور، خال الأمين جاء إلى الفضل بن يحيى، وهو متوجه إلى خراسان على رأس جيش، وقال له: «أنشدك الله، لما عملت بالبيعة لابن أختي، فإنه ولدك، وخلافته لك، وإن أختي زبيدة تسألك ذلك.. فوعده الفضل أن يفعل، وعندما انتصر على الخارجين هناك. بايع هو ومن معه من القواد والجند لمحمد(3).

____________

(1) ابن بدرون في شرح قصيدة ابن عبدون ص 245، والإتحاف بحب الأشراف ص 96.

(2) زهر الآداب طبع دار الجيل ج 2 ص 581.

(3) راجع تفصيل ذلك في: الطبري ج 10 ص 611، والنجوم الزاهرة ج 2 ص 76، والكامل لابن الأثير ج 5 ص 88، وأشار إلى ذلك أيضاً ابن خلدون في تاريخه ج 3 ص 218.

الصفحة 161
رغم أن المأمون كان أسن من الأمين بستة أشهر، وعلى أقل الأقوال بشهر واحد.

وأصبح الرشيد حينئذٍ أمام الأمر الواقع، حيث إن الذي أقدم على هذا الأمر، هو ذلك الرجل. الذي لا يمكن رد كلمته، والذي له من النفوذ والسلطان، والخدمات الجلى، والأيادي البيضاء عليه، ما لا يمكن له، ولا لأحد غيره أن يجحده أو أن يتجاهله.

ويلاحظ هنا: أن عيسى بن جعفر قد ذكر أن أخته زبيدة، تسأله أن يقدم على هذا الأمر، وزبيدة التي تخطى باحترام كبير عند العباسيين، ولها نفوذ واسع، وتأثير كبير على الرشيد ـ زبيدة هذه ـ يهتم البرامكة جداً بأن تكون معهم، وإلى جانبهم، وذلك ليبقى لهم سلطانهم، ويدوم لهم حكمهم، الذي أشار إليه عيسى بقوله: «فإنه ولدك، وخلافته لك» فإن في هذا القول دليلاً واضحاً للفضل على سلامة وصحة ما يقدم عليه بالنسبة لمصالحه هو، ومصالح البرامكة بشكل عام. وبالنسبة لدورهم في مستقبل الخلافة العباسية.. وهو في الحقيقة يشتمل على إغراء وترغيب واضح بالعمل لهذا الأمر، وفي سبيله.

كما أن قول عيسى الآنف الذكر يلقي لنا ضوءاً على الدور الذي لعبته زبيدة في مسألة البيعة لولدها بولاية العهد. فهو يشير إلى أنها كانت قد استخدمت نفوذها في إقناع رجال الدولة بتقديم ولدها. هذا بالإضافة إلى أنها كانت تحرض الرشيد على ذلك باستمرار(1)، حتى لقد صرح الرشيد نفسه بأنه: «لولا أم جعفر وميل بني هاشم لقدم عبد الله على محمد، كما أشرنا إليه».

قال محمد فريد وجدي مشيراً إلى أن الرشيد لم يكن يريد جرح عاطفة

____________

(1) النجوم الزاهرة ج 2 ص 81، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 290.

الصفحة 162
زبيدة: «كانت ولاية الأمين بعهد من أبيه، قدمه على إخوته لمكان والدته، وكان الأحق بالتقديم المأمون لعلمه وفضله وسنه..»(1) وبعد.. فإننا لا نستبعد أنها كانت بالإضافة إلى ذلك قد استخدمت أموالها، من أجل ضمان ولاية العهد لولدها الأمين، ولعل مما يشير إلى ذلك قول الفضل بن سهل للمأمون: «وهو ابن زبيدة، وأخواله بنو هاشم، وزبيدة وأموالها.».

وأخيراً. فإن من المحتمل جداً أن يكون الرشيد ـ بملاحظة الدور الذي كانت تلعبه الأنساب في التفكير العربي ـ قد لاحظ سمو نسب الأمين على المأمون، وكان لذلك أثر في تقديمه له عليه، وقد ألمح بعض المؤرخين إلى ذلك فقال: «وفيها ـ أي في سنة 176 ه‍ ـ عقد الرشيد لابنه المأمون عبد الله العهد بعد أخيه الأمين. إلى أن قال: وكان المأمون أسن من الأمين بشهر واحد، غير أن الأمين أمه زبيدة بنت جعفر هاشمية، والمأمون أمه أم ولد اسمها «مراجل» ماتت أيام نفاسها به.»(2).

محاولات الرشيد لصالح المأمون:

ومن كل ما تقدم يتضح لنا حقيقة موقف العباسيين، وأهل بيت المأمون، ورجال الدولة من المأمون.. ويظهر إلى أي حد كان مركز أخيه قويا، ونجمه عاليا، وأنه لم يكن له مثل ذلك الحظ الذي كان لأخيه الأمين.

____________

(1) دائرة المعارف الإسلامية ج 1 ص 606.

(2) النجوم الزاهرة ج 2 ص 84، وقريب منه ما في تاريخ الخلفاء للسيوطي.

الصفحة 163
إلا أن أباه الرشيد، الذي كان يدرك حقيقة الموقف كل الادراك، قد حاول أن يضمن له نصيبه من الخلافة، فجعله ولي العهد بعد أخيه الأمين، وكتب بذلك العهود والمواثيق، وأشهد عليها، وعلقها في جوف الكعبة، ولا نعلم خليفة، قبله ولا بعده فعل ذلك مع أولياء عهده، من أولاده أو من غيرهم، رغم أن غيره من الخلفاء قد أخذوا البيعة لأكثر من واحد بعدهم.

كما أنه قد حاول بطرق شتى أن يشد من عضد المأمون، ويقوي مركزه في مقابل أخيه الأمين، لأنه كان يخاف منه على أخيه المأمون، فنراه يجدد أخذ البيعة للمأمون أكثر من مرة، ويوليه الحرب، ويولي أخاه السلم(1) ويهب المأمون كل ما في العسكر من كراع وسلاح. ويأمر الفضل بن الربيع، الذي كان يعرف أنه سوف يتآمر مع الأمين ـ يأمره ـ بالبقاء مع المأمون في خراسان. إلى غير ذلك من مواقفة، التي لا نرى حاجة لتتبعها واستقصائها.

مركز المأمون ظل في خطر:

ولكن رغم كل محاولات الرشيد فقد ظل مركز المأمون في خطر والكل كان يشعر بذلك، وكيف لا يعرف الجميع ذلك. ولا يشعرون به، وهم يرون الأمين يصرح بعد أن أعطى العهود والمواثيق، وحلف الأيمان، بأنه: كان يضمر الخيانة لأخيه المأمون(2).

لقد كان الكثيرون يرون بأن هذا الأمر لا يتم، وأن الرشيد قد أسس العداء والفرقة بين أولاده، «وألقى بأسهم بينهم، وعاقبة ما صنع

____________

(1) مروج الذهب ج 3 ص 353، والطبري حوادث سنة 186 ه‍.

(2) الوزراء والكتاب ص 222.

الصفحة 164
في ذلك مخوفة على الرعية» وقالت الشعراء في ذلك الشيء الكثير. ومن ذلك قول بعضهم:


أقول لغمة في النفس منــي ودمع العين يطرد اطـرادا
خذي للهول عدته بحـــزم ستلقي ما سيمنعك الرقـادا
فإنك إن بقيت رأيت أمــراً يطيل لك الكآبة والسهـادا
رأى الملك المهذب شر رأي بقسمته الخلافة والبــلادا
رأى ما لو تعقبه بعلــــم لبيض من مفارقه السـوادا
أراد به ليقطع عن بنيـــه خلافهم ويبتذلوا الــودادا
فقد غرس العداوة غيـر آل وأورث شمل ألفتهم بـدادا
والقح بينهم حربا عوانـــاً وسلس لاجتنابهم القيــادا
فويل للرعية عن قليــــل لقد أهدى لها الكرب الشدادا
وألبسها بلاءا غير فــــان وألزمها التضعضع والفسادا
ستجري من دمائهم بحـــور زواخر لا يرون لها نفـادا
فوزر بلائهم أبداً عليــــه أغيا كان ذلك أم رشادا(1)


والمأمون وحزبه كانوا يدركون ذلك:

وبعد.. فإنه من الطبيعي جداً أن نرى أن المأمون وحزبه كانوا يدركون أن مركز المأمون كان في خطر، وأن الأمين كان ينوي الخيانة لأخيه. ولقد رأينا الفضل بن سهل عندما عزم الرشيد على الذهاب إلى خراسان، وأمر المأمون بالمقام في بغداد ـ رأيناه ـ يقول للمأمون: «لست تدري ما يحدث بالرشيد، وخراسان ولايتك، والأمين مقدم عليك. وإن أحسن ما يصنع بك أن يخلعك، وهو ابن زبيدة، وأخواله

____________

(1) الطبري حوادث سنة 186 ه‍.

الصفحة 165
بنو هاشم، وزبيدة، وأموالها..»(1). وتقدم أيضاً قوله له: إن أهل بيته وبني أبيه، والعرب معادون له.

والرشيد أيضاً كان في قلق:

بل لقد صرح الرشيد نفسه بأنه كان يخشى من الأمين على المأمون، فإنه قال لزبيدة، عندما عاتبته على إعطائه الكراع والسلاح للمأمون: «إنا نتخوف ابنك على عبد الله، ولا نتخوف عبد الله على ابنك إن بويع.»(2).

هذا بالإضافة إلى تصريحات الرشيد السابقة، والتي لا نرى حاجة إلى إعادتها.

ولقد قال الرشيد، عندما بلغه ما يتهدد به محمد الأمين:


محمد لا تظلم أخاك فإنه عليك يعود البغي إن كنت باغيا
ولا تعجلن الدهر فيه فإنه إذا مال بالأقوام لم يبق باقيا(3)


ومهما يكن من أمر، فإن الحقيقة التي لا يمكن الجدال فيها، هي أن الرشيد كان في قضية ولاية العهد مغلوبا على أمره، من مختلف الجهات. وكان يشعر أن ما أبرمه سوف يكون عرضة للانتقاض بين لحظة وأخرى، وكم كان يؤلمه شعوره هذا، ويحز في نفسه.. حتى لقد ترجم مشاعره هذه شعراً فقال:

____________

(1) تاريخ ابن خلدون ج 3 ص 229، والنجوم الزاهرة ج 2 ص 102، والكامل لابن الأثير، طبعة ثالثة ج 5 ص 127، والوزراء والكتاب ص 266.

(2) مروج الذهب ج 3 ص 353. ولعله إنما فعل ذلك أيضاً، من أجل أن يطيب خاطر المأمون، ويذهب ما في نفسه ـ وهو الأفضل، والأكبر سنا من أخيه ـ من غل وحقد وضغينة..

(3) ابن بدرون في شرح قصيدة ابن عبدون ص 245، وفوات الوفيات ج 2 ص 269.

الصفحة 166

لقد بان وجه الرأي لي غير أنني غلبت على الأمر الذي كان أحزما
وكيف يرد الدر في الضرع بعدما توزع حتى صار نهباً مقسمـــا
أخاف التواء الأمر بعد استوائـه وأن ينقض الحبل الذي كان أبرما(1)


على من يعتمد المأمون؟

وهكذا: وإذا كان أبوه قد استطاع أن يضمن له المركز الثاني بعد أخيه الأمين، وإذا كان ذلك لا يكفي لأن يجعل المأمون يطمئن إلى مستقبله في الحكم، وأن يأمن أخاه وبني أمية العباسيين، أن لا يحلوا العقدة، وينكثوا العهد، فهل يستطيع المأمون أن يعتمد على غيرهم، لو تعرض مركزه ووجوده لتهديد في وقت ما؟!. ومن هم أولئك الذين يستطيع أن يعتمد عليهم؟! وكيف؟.. وما هو موقفهم فعلاً منه؟! وكيف يستطيع أن يصل إلى الحكم، والسلطان؟! ومن ثم.. كيف يستطيع أن يحتفظ به، ويقوي من دعائمه؟!

إن نظرة شاملة على الفئات الأخرى في تلك الفترة من الزمن، لكفيلة بأن تظهر لنا أنه لم يبق أمام المأمون غير العلويين، والعرب، والإيرانيين. فما هو موقف هؤلاء منه، وأي الفئات تلك هي التي يستطيع أن يعتمد عليها؟ وكيف يستطيع أن يغير مجريات الأمور لتكون في صالحه، وعلى وفق مراده؟!.

هذا هو السؤال الذي لا بد للمأمون من أن يضع الحل والإجابة عليه، بكل دقة ووعي وإدراك. وأن يتحرك من ثم على وفق تلك الإجابة،

____________

(1) ابن بدرون أيضاً ص 245، وزهر الآداب، طبع دار الجيل ج 2 ص 581، وفوات الوفيات ج 2 ص 269.

الصفحة 167
وعلى مقتضى ذلك الحل.. ولنلق أولاً نظرة سريعة على مواقف كل من هؤلاء من المأمون، ولنخلص من ثم إلى معرفة الفئة التي يستطيع المأمون أن يعتمد عليها في مواجهة الأخطار والتحديات، التي تنتظره، وتنتظر نظام حكمه، بصورة عامة.. فنقول:

موقف العلويين من المأمون:

أما العلويون.. فإنهم ـ بالطبع ـ لن يرضوا بالمأمون ـ كما لن يرضوا بغيره من العباسيين، خليفة وحاكما لأن من بينهم من هو أجدر من كل العباسيين، وأحق بهذا الأمر، ولأن المأمون، وغيره، كانوا من تلك السلالة، التي لا يمكن أن تصفو لها قلوب آل علي، لأنها قد فعلت بهم أكثر من فعل بني أمية معهم، كما تقدم.. فقد سفكت دماءهم، وسلبتهم أموالهم، وشردتهم عن ديارهم، وأذاقتهم شتى صنوف العذاب والاضطهاد. ويكفي المأمون عندهم: أنه ابن الرشيد، الذي حصد شجرة النبوة، واجتث غرس الإمامة، والذي قد عرفت طرفاً من سيرته السيئة معهم فيما تقدم من الفصول.

موقف العرب من المأمون، ونظام حكمه:

وأما العرب: فإنهم لا يرضون بالمأمون خليفة وحاكما أيضاً، كما أشار إليه الفضل بن سهل فيما تقدم.

أما أولاً: فلأن أمه، ومؤدبه، والقائم بأمره، غير عربيين. ولقد عانى العرب ما لله أعلم به، من تقديم أسلافه للموالي، حتى لم يعد لهم معهم أي شأن يذكر، وأصبح العربي أذل من نعجة، وأحقر من الحيوان.

قال المسعودي: «.. وكان [أي المنصور] أول خليفة استعمل
الصفحة 168
مواليه وغلمانه في أعماله، وصرفهم في مهماته، وقدمهم على العرب، فامتثل ذلك الخلفاء من بعده، من ولده، فسقطت، وبادت العرب، وزالت رياستها، وذهبت مراتبها.»(1).

وقال ابن حزم، وهو يتحدث عن العباسيين: «.. فكانت دولتهم أعجمية، سقطت فيها دواوين العرب، وغلبت عجم خراسان على الأمر، وعاد الأمر كسروياً، إلا أنهم لم يعلنوا بسب أحد من الصحابة رضوان الله عليهم. وافترقت في دولة بني العباس كلمة المسلمين..»(2).

ويقول الجاحظ: «.. دولة بني العباس أعجمية، خراسانية، ودولة بني مروان عربية..»(3).

إلى آخر ما هنالك، مما يدل على سقوط العرب في تلك الفترة، وامتهانهم، ويبدو أن ذلك من المسلمات. وقد استوفى الباحثون ـ ومنهم أحمد أمين، في الجزء الأول من ضحى الإسلام ـ البحث في هذا الموضوع، فمن أراد فليراجع مظان وجوده.

وإذا ما عرفنا: أن من الطبيعي أن يكون ذهاب رئاسة العرب، وإبادتها، واضطهادها على يد الفرس، الذين كانوا هم أصحاب القدرة والسلطان آنذاك.. فلسوف نجد أن من الطبيعي أن يحقد العرب، الذين كانوا في وقت ما هم أصحاب الجبروت والقوة، على الفرس، وعلى كل من يتصل بهم. ويمت إليهم بسبب، من قريب أو من بعيد.

____________

(1) مروج الذهب، طبع بيروت ج 4 ص 223، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 24، و ص 269، 270، و ص 258، وفي طبيعة الدعوة العباسية ص 279، نقلاً عن المقريزي في: السلوك لمعرفة دول الملوك ج 1 ص 14 مثل ذلك. وليراجع أيضاً كتاب: مشاكلة الناس لزمانهم لليعقوبي ص 23.

(2) البيان المغرب، طبع صادر ص 71.

(3) البيان والتبيين ج 3 ص 366.

الصفحة 169
وأما ثانياً: فلسيرة أسلافه، وأبيه الرشيد بالخصوص، في الناس عامة، ومع أهل بيت نبيهم خاصة، والتي قدمنا شطراً منها في الفصول التي سبقت.

أما الأمين: فقد كان له ـ إلى حد ما ـ شافع عندهم، حيث إنه كان من أب وأم عربيين من جهة. وكان قد منحهم ثقته وحبه، وقربهم إليه، حتى كان وزيره الفضل بن الربيع منهم. من جهة ثانية، فتوسموا فيه أن يجعل لهم. وأن ينظر إليهم بغير العين، التي كان أبوه وأسلافه ينظرون إليهم بها. أو على الأقل: سوف لا تكون نظرته إليهم. على حد نظرة المأمون نحوهم. وذلك ما يجعلهم يرجحونه ـ على الأقل ـ على أخيه المأمون، وإن كان المأمون أفضل، وأسن منه، فلقد كان عليهم أن يختاروا أهون الشرين، وأقل الضررين. حتى إن نصر بن شبث، الذي كان هواه مع العباسيين، لم يقم بثورته ضد المأمون، التي بدأت سنة 198 ه‍. واستمرت حتى سنة 210 ه‍. إلا انتصاراً للعرب، ومحاماة عنهم، لأن العباسيين كانوا يفضلون عليهم العجم، حسب تصريحات نصر بن شبث نفسه(1).

وحتى في مصر أيضاً، قد ثارت الفتن بين القيسية، المناصرة للأمين، واليمانية المناصرة للمأمون..

وقال أحمد أمين: «.. إن أغلب الفرس تعصب للمأمون، وأغلب العرب تعصبوا للأمين..»(2) كما أننا نكاد لا نشك في أن تعصب العرب للأمين ليس إلا للسببين المتقدمين، الذين أشرنا إليهما، وأشار إلى أحدهما نصر بن شبث..

____________

(1) التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ج 3 ص 104.

(2) ضحى الإسلام ج 1 ص 43.

https://ahlalbayt12.7olm.org

Admin


Admin

ولكن فردينان توتل يرى في منجد الأعلام: أن تعصب العرب للأمين يرجع إلى أن: «المأمون لم يستطع أن يجعل العرب يحبونه، حيث إنه كان يظهر ميلا للإيرانيين، ويقربهم إليه. وقد أعانه الإيرانيون في مبارزاته، وحروبه، وخصوصاً الخراسانيين منهم.».

ولكن الذي يبدو لي هو أن تعصب العرب للأمين لم يكن نتيجة تقريب المأمون للإيرانيين، وتحببه للخراسانيين، وإنما عكس ذلك هو الصحيح، فإن المأمون لم يتقرب من الخراسانيين إلا بعد أن فرغت يده من العرب وأهل بيته، والعلويين.

لا بد من اختيار خراسان:

وبعد أن فرغت يد المأمون من بني أبيه، والبرامكة(1)، والعرب، والعلويين، اضطر أن يلتجئ إلى جهات أخرى لتمد له يد العون والمساعدة، وتكون سلما لأغراضه، وأداة لتحقيق أهدافه ومآربه. ولم يبق أمامه غير خراسان، فاختارها، كما اختارها محمد بن علي العباسي من قبل. فأظهر لهم الميل الحب، وتقرب إليهم، وقربهم إليه، وأراهم: أنه محب لما ولمن يحبون، وكاره لما ولمن يكرهون. حتى إنه عندما علم منهم الميل إلى العلويين، والتشيع لهم، أظهر هو بدوره أنه محب للعلويين، ومتشيع لهم.

كما أنه كان من جهة ثانية قطع لهم على نفسه الوعود والعهود، بأن يرفع

____________

(1) ذكرنا للبرامكة هنا ليس عفويا، فإن محط نظرنا يشمل حتى الأيام الأولى، التي فتح بها المأمون عينيه، وعرف واقعه، وأدرك الأخطار، التي تتهدده، وتتهدد مستقبله في الخلافة مع أخيه الأمين، فلا يرد علينا: أن البرامكة قد نكبهم الرشيد قبل خلافة المأمون بزمان. مضافاً إلى الدور الكبير الذي لعبه البرامكة في تقديم أخيه الأمين عليه، حسبما قدمنا..

الصفحة 171
الظلم والحيف عنهم، ورد عنهم الكيد، الأمر الذي جعلهم يثقون به، ويطمئنون إليه، ويعلقون كل آمالهم عليه.

تشيع الإيرانيين:

هذا.. وليس تشيع(1) الإيرانيين بالأمر الذي يحتاج إلى إثبات، بعد أن تقدم معنا: أن دولة العباسيين ما قامت إلا على أساس الدعوة للعلويين، وأهل البيت. وبعد أن رأينا الخراسانيين يظهرون النياحة على «يحيى بن زيد» سبعة أيام، وكل مولود ولد في خراسان في سنة قتل يحيى سمي ب‍ «يحيى»(2). بل يذكر البلاذري: أنه لما استشار المنصور عيسى بن موسى في أمر محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن، فأشار عليه بأن يولي المدينة رجلاً خراسانياً، قال له المنصور: «يا أبا موسى إن محبة آل أبي طالب في قلوب أهل خراسان ممتزجة بمحبتنا، وإن وليت أمرها رجلاً من أهل خراسان حالت محبته لهما بينه وبين طلبهما، والفحص عنهما، ولكن أهل الشام قاتلوا علياً على أن لا يتأمر عليهم لبغضهم إياه الخ.»(3).

وقد تقدم معنا: كيف وصف المؤرخون ما جرى في نيشابور، حين دخلها الإمام الرضا، وسيأتي في فصل: خطة الإمام، وصف ما جرى في مرو حينما خرج الإمام ليصلي بالناس. ولقد عرفنا أيضاً: كيف فرق الإمام الرضا الناس عن المأمون. عندما أرادوا قتله، انتقاماً للفضل بن سهل.

____________

(1) قد تقدم منا ما نقصده بكلمة «التشيع» في هذا الكتاب، فلا نعيد.

(2) مروج الذهب ج 3 ص 213، وشرح ميمية أبي فراس ص 157، وليراجع أيضاً نزهة الجليس ج 1 ص 316، فإن فيه ما يشير إلى ذلك.

(3) أنساب الأشراف للبلاذري ج 3 ص 115.

الصفحة 172
بل لقد بلغ من حب الإيرانيين لأهل البيت أن المأمون كان يخشى على نفسه أن يقتلوه، لو أنه أراد أن يرجع عن البيعة للإمام الرضا بولاية العهد(1).

ويقول جرجي زيدان: «وكان الخراسانيون، ومن والاهم من أهل طبرستان والديلم، قبل قيام الدولة العباسية، من شيعة علي، وإنما بايعوا للعباسيين مجاراة لأبي مسلم أو خوفاً منه.»(2).

وقال أحمد أمين: «.. إن الفرس يجري في عروقهم التشيع.»(3) ويقول الدكتور الشيبي: «.. إن الفرس قد عادوا إلى التشيع، بعد أن نزلت بهم ضربة السفاح أولاً، ثم المنصور، ثم الرشيد.»(4) ويقول أحمد شلبي: «.. إنه ربما كان سبب أخذ المأمون للرضا العهد، هو أنه يريد أن يحقق آمال الخراسانيين، الذين كانوا إلى أولاد علي أميل.»(5)

ما هو سر تشيع الإيرانيين؟

يقول السيد أمير علي، وهو يتحدث عن سر ارتباط الفرس بقضية بني فاطمة: «.. وقد أظهر الإمام علي منذ بداية الدعوة الإسلامية

____________

(1) تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني، جزء 4 ص 440.

(2) نفس المصدر والمجلد، والجزء ص 232، ولا يهمنا هنا مناقشة جرجي زيدان فيما جعله سبباً لبيعتهم للعباسيين، ولعل ما قدمناه في فصل: قيام الدولة العباسية كاف في ذلك.

(3) ضحى الإسلام ج 3 ص 295.

(4) الصلة بين التصوف والتشيع ص 101.

(5) التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ج 3 ص 107.

الصفحة 173
كل تقدير، ومودة نحو الفرس، الذين اعتنقوا الإسلام، لقد كان سلمان الفارسي، وهو أحد مشاهير أصحاب الرسول، رفيق علي وصديقه. كان من عادة الإمام أن يخصص نصيبه «النقدي» في الأنفال لافتداء الأسرى. وكثيراً ما أقنع الخليفة عمر بمشورته، فعمد إلى تخفيف عبء الرعية في فارس. وهكذا كان ولاء الفرس لأحفاده واضحاً تمام الوضوح.»(1).

ويرى فان فلوتن: إن من أسباب ميل الخراسانيين، وغيرهم من الإيرانيين للعلويين، هو أنهم لم يعاملوا معاملة حسنة، ولا رأوا عدلاً إلا في زمن حكم الإمام علي (عليه السلام)(2).

أما الأستاذ علي غفوري فيرى(3): أن الإيرانيين كانوا قبل الإسلام يعاملون بمنطق: أن الناس قد خلقوا لخدمة الطبقة الحاكمة، وأن عليهم أن ينفذوا الأوامر من دون: كيف؟ ولماذا؟. فجاء الإسلام بتعاليمه الفطرية السهلة السمحاء، فاعتنقوه بكل رضى وأمل، وبدأ جهادهم في سبيل إقامة حكومة إسلامية حقيقية. وبما أن أولئك الذين تسلموا زمام الأمور ـ باستثناء الإمام علي طبعاً ـ كانوا منحرفين [المقصود هنا بالطبع هو خلفاء الأمويين] عن الإسلام، وتعاليمه، ويحاولون تلبيس عاداتهم الجاهلية، حتى التمييز القبلي، والعرقي بلباس الإسلام. وإعطائها صفة القانونية والشرعية.

فإن الإيرانيين لم يجدوا أهداف الإسلام، وتعاليمه في تلك الحكومات، ولهذا كان من الطبيعي أن يتوجهوا إلى علي، والأئمة من ولده، الذين تعدى الآخرون على حقوقهم بالخلافة، والذين كان سلوكهم المثالي هو

____________

(1) روح الإسلام ص 306.

(2) السيادة العربية والشيعة والإسرائيليات.

(3) يادبود هشتمين امام «فارسي».

الصفحة 174
المرآة الصافية، التي تنعكس عليها تعاليم الإسلام وأهدافه، ويمثلون الصورة الحقيقية للإسلام على مدى التاريخ. وكان صدى علمهم، وزهدهم، واستقامتهم يطبق الخافقين، وخصوصاً الصادق والرضا، الذي اهتبل الفرصة إبان الخلاف بين الأمين والمأمون لنشر تعاليم الإسلام. وتعريف الناس على الحقائق، التي شاء الآخرون أن لا يعرفها أحد.

لكن لم يكن يروق للقوى الحاكمة، أن تظهر تلك الوجوه الطاهرة على الصعيد العام، وتتعرف عليها الأمة الإسلامية، وعلى فضائلها، وكمالاتها، لأن الناس حينئذٍ سوف يدركون الواقع المزري لأولئك الحكام، والمتزلفين لهم. والذين كانوا يتحكمون بمقدرات الأمة، وإمكاناتها، وإذا أدركوا ذلك فإن من الطبيعي أن لا يترددوا في تأييد الأئمة، ومساعدة أية نهضة، أو ثورة من قبلهم. ولهذا فقد جهد الحكام في أن يزووهم ويبعدوهم ما أمكنهم عن الناس، ووضعوهم تحت الرقابة الشديدة، وفي أحيان كثيرة في غياهب السجون. حتى إذا ما سنحت لهم فرصة، تخلصوا منهم بالطريقة التي كانوا يرون أنها لا تثير الكثير من الشكوك والظنون.

عودة على بدء:

وعلى كل حال.. فإن ما يهمنا هنا هو مجرد الإشارة إلى تشيع الإيرانيين، الذي حاول المأمون أن يستغله لمصالحه وأهدافه. حيث قد أثمرت وعود المأمون للخراسانيين، وتحببه لهم. وتقربه منهم، وتظاهره بالحب لعلي (عليه السلام) وذريته، الثمار المرجوة منها، لأن الخراسانيين كانوا يريدون التخلص من أولئك الحكام الذين انقلبوا عليهم يقتلون. ويضطهدون كل من عرفوه موالياً لأهل البيت محبا لهم، ابتداء من المنصور، بل السفاح. وانتهاء بالرشيد، الذي لم يستطع يحيى بن خالد البرمكي أن
الصفحة 175
يسمع لعلوي ذكراً في خراسان في زمانه. رغم أنه جهد كل الجهد من أجل ذلك. وفي سبيله، حسبما تقدم.

كما أنهم ـ أعني الخراسانيين ـ قد توسموا في المأمون أن يكون المنقذ لهم من أولئك الولاة،8 الذين ساموهم شتى ضروب العسف، والظلم والعذاب. والذين لم يكن بهمهم غير مصالحهم، وإرضاء شهواتهم وملذاتهم، يعلم ذلك بأدنى مراجعة للتأريخ.

وقد وثقوا إلى حد ما بوعود المأمون تلك، التي كان يغدقها عليهم، وعلى غيرهم بدون حساب، وأمنوا جانبه، فكانوا جنده، وقواده، ووزراءه المخلصين، الذين أخضعوا له البلاد، وأذلو له العباد، وبسطوا نفوذه وسلطانه على كثير من الولايات والأمصار، التي كان يطمح إلى الوصول إليها، والسيطرة عليها.

كيف يثق العرب بالمأمون؟!

وهكذا إذن.. يتضح أن ميل المأمون للإيرانيين ما كان إلا دهاء منه وسياسة، استغلها المأمون أحسن ما يكون الاستغلال، حتى استطاع أن يصل إلى الحكم، ويتربع على عرش الخلافة، بعد أن قتل أخاه العزيز على العباسيين والعرب، وقضى على أشياعه بسيوف غير العرب، وذلك ذنب آخر لن يسهل على العرب الاغضاء عنه أو غفرانه.

ثم ولى على بغداد رجلاً غير عربي، هو الحسن بن سهل، أخو الفضل بن سهل، الذي تكرهه بغداد والعرب كل الكره..

ثم إنه بعد هذا كله جعل مقر حكمه مروا الفارسية، وليس بغداد العاصمة العربية الأولى التي خربها ودمرها.. وكان ذلك من شأنه أن يثير المخاوف لدى العرب في أن تتحول الإمبراطورية العربية إلى إمبراطورية
الصفحة 176
فارسية، وخصوصاً إذا لاحظنا: أن الفرس هم الذين أوصلوا المأمون إلى الحكم.. وقد أثبتوا جدارتهم، وأهليتهم في مختلف المجالات، وخصوصاً السياسة، وشؤون الحكم.

قتل الأمين وخيبة الأمل:

وإن قتل الأمين، وإن كان يمثل ـ في ظاهره ـ انتصاراً عسكرياً للمأمون إلا أنه كان في الحقيقة ذا نتائج سلبية وعكسية بالنسبة للمأمون، وأهدافه، ومخططاته.. سيما بملاحظة الأساليب التي اتبعها المأمون للتشفي من أخيه الأمين، الذي كان قد أصدر الأمر لطاهر بالأمس بأن يقتله(1). حيث رأيناه قد أعطى الذي جاءه برأس أخيه ـ بعد أن سجد لله شكرا! ـ ألف ألف «أي مليون» درهم(2). ثم أمر بنصب رأس أخيه على خشبة في صحن الدار، وأمر كل من قبض رزقه أن يلعنه، فكان الرجل يقبض، ويلعن الرأس، ولم ينزله حتى جاء رجل فلعن الرأس، ولعن والديه، وما ولدا، وأدخلهم في «كذا وكذا» من أمهاتهم، وذلك بحيث يسمعه المأمون، فتبسم، وتغافل، وأمر بحط الرأس(3)!.

ويا ليته اكتفى بكل ذلك.. بل إنه بعد أن طيف برأس الأمين بخراسان(4)

____________

(1) لقد نص الأستاذ علي غفوري في كتابه الفارسي «يادبود هشتمين إمام» ص 29 على أن المأمون: «لم يرض بقتل الأمين فحسب، بل أنه هو الذي أمر بقتله..».

(2) فوات الوفيات ج 2 ص 269، والطبري، طبع دار القاموس الحديث ج 10 ص 202، والبداية والنهاية ج 10 ص 243، وحياة الحيوان ج 1 ص 72، وتجارب الأمم المطبوع مع العيون والحدايق ج 6 ص 416.

(3) مروج الذهب ج 3 ص 414، وتتمة المنتهى ص 186 والموفقيات ص 140.

(4) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 298.

الصفحة 177
أرسل إلى إبراهيم بن المهدي يعنفه ويلومه على أنه أسف على قتل الأمين، ورثاه(1)!

فماذا ننتظر بعد هذا كله، وبعد ما قدمناه: أن يكون موقف العباسيين. والعرب، بل وسائر الناس منه..

إن أيسر ما نستطيع أن نقوله هنا: أنه كان لقتله أخاه، وفعاله الشائنة تلك.. أثر سيء على سمعته، ومن أسباب زعزعة ثقة الناس، به، وتأكيد نفورهم منه، سواء في ذلك العرب، أو غيرهم.

وقد استمر ذلك الأثر أعواما كثيرة، حتى بعد أن هدأت ثائرة الناس، ورجع إلى بغداد.

فقد جلس مرة يستاك على دجلة، من وراء ستر، فمر ملاح، وهو يقول: «أتظنون أن هذا المأمون ينبل في عيني، وقد قتل أخاه؟!».

قال: فسمعه المأمون، فما زاد على أن تبسم، وقال لجلسائه: «ما الحيلة عندكم. حتى أنبل في عين هذا الرجل الجليل.»(2).

وقال له الفضل بن سهل، عندما عزم على الذهاب إلى بغداد: «ما هذا بصواب، قتلت بالأمس أخاك، وأزلت الخلافة عنه، وبنو أبيك معادون لك، وأهل بيتك والعرب.. إلى أن قال: والرأي،

____________

(1) البداية والنهاية ج 10 ص 443.

(2) تاريخ بغداد ج 10 ص 189، والبداية والنهاية ج 10 ص 277، وتاريخ الخلفاء ص 320، وروض الأخيار في منتخب ربيع الأبرار ص 186، وفوات الوفيات ج 1 ص 240.

الصفحة 178
أن تقيم بخراسان، حتى تسكن قلوب الناس على هذا، ويتناسوا ما كان من أمر أخيك..»(1).

المأمون في الحكم:

وإذا ما أردنا أن نعطف نظرنا على ناحية أخرى في سياسة النظام المأموني، فإننا سوف نرى أنه لم يكن موفقاً في سياسته مع الناس، سواء في ذلك العرب أو الإيرانيون، بالأخص أهل خراسان، حيث لم يحاول أن يتجنب سياسة الظلم والعسف والاضطهاد، التي كان يمارسها أسلافه مع الرعية. بل لعله زاد عليهم، وسبقهم أشواطاً بعيدة في ذلك،

أما سياسته مع العرب:

فالمأمون، وإن استطاع أن يصل إلى الحكم إلا أنه فشل في مهمة الفوز بثقة العرب، خصوصاً إذا لاحظنا بالإضافة إلى ما قدمناه تحت عنوان «كيف يثق العرب بالمأمون». ما نالهم منه، ومن عماله، من صنوف العسف والظلم ـ عدا عما فعلته فيهم تلك الحروب الطاحنة، التي شنها ضد أخيه الأمين ـ فإن ذلك يفوق كل وصف، ويتجاوز كل تقدير،

____________

(1) البحار ج 49 ص 166، ومسند الإمام الرضا ج 1 ص 85، وأعيان الشيعة ج 4 قسم 2 ص 138، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 160، هذا.. وتجدر الإشارة هنا: إلى أن بعض المحققين يرى: أن قتل الأخ في سبيل الملك، لم يكن من الأمور التي يهتم لها الناس كثيراً في تلك الفترة، سيما إذا كان المقتول هو المعتدي أولاً، والأمين هنا هو المعتدي على المأمون، بخلعه أولاً، ثم بإرساله جيشاً إلى إيران لمحاربته، والذي هزم على يد طاهر بن الحسين، ولكننا مع ذلك.. لا نزال نصر على رأينا في هذا المجال، سيما وأننا نرى في النصوص التاريخية ما يدعم هذا الرأي ويقويه.

الصفحة 179
حتى لقد وصف: «ديونيسيوس» جباة الخراج في العراق في سنة [200 ه‍]. بأنهم: «قوم من العراق، والبصرة. والعاقولاء، وهم عتاة، ليس في قلوبهم رحمة، ولا إيمان، شر من الأفاعي، يضربون الناس، ويحبسونهم. ويعلقون الرجل البدين من ذراع واحد، حتى يكاد يموت»(1).

والإيرانيون أيضاً لم يكونوا أحسن حالاً:

ولم يكن حال الإيرانيين من هذه الجهة بأفضل من حال أهل العراق. ويذكر الجاحظ: أن المأمون ولى محمود بن عبد الكريم التصنيف «فتحامل على الناس، واستعمل فيهم الأحقاد والدمن، فخفض الأرزاق، وأسقط الخواص، وبعث في الكور، وأنحى على أهل الشرف والبيوتات، حسداً لهم، وإشفاء لغليل صاحبه منهم، فقصد لهم بالمكروه والتعنت فامتنعت طائفة من الناس من التقدم إلى العطاء، وتركوا أسماءهم، وطائفة انتدبوا مع طاهر بن الحسين بخراسان، فسقط بذلك السبب بشر كثير..»(2).

يقول الجنرال جلوب وهو يتحدث عن المأمون «.. وراح يلقي خطبته الأولى في الناس، فيعدهم بأن يكون حكمه فيهم طبقاً للشرع، وأن يكرس نفسه لخدمة الله وحده. وقد أثارت هذه الوعود التقية حماسة عند الناس. وكانت من أهم أسباب انتصاره. لكن هذه الوعود ما لبثت أن تحولت إلى فجيعة نزلت بالناس، إذ إن الخليفة ما لبث أن نسيها.»(3)

____________

(1) الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، لآدم متز ج 1 ص 232.

(2) رسائل الجاحظ ج 2 ص 207 ـ 208.

(3) إمبراطورية العرب، ترجمة، وتعليق خيري حماد ص 570.

الصفحة 180
ويكفي أن نشير هنا إلى المجاعة التي أصابت أهل خراسان، والري. وأصبهان، وعز الطعام، ووقع الموت، وذلك في سنة 201 للهجرة..

المأمون مع الرعية عموماً:

وعن حالة المأمون العامة مع الناس يقول فان فلوتن:

«.. ولم يكن جور النظام العباسي وعسفه، منذ قيام الدولة العباسية بأقل من النظام الأموي المختل، وتذكرنا شراهة المنصور، والرشيد، والمأمون، وجشعهم، وجور أولاد علي بن عيسى، وعبثهم بأموال المسلمين بزمن الحجاج، وهشام، ويوسف بن عمر الثقفي. ولدينا البراهين الكثيرة على فجيعة الناس في هذا العرش الجديد، ومقدار انخداعهم به..»، ثم يضرب أمثلة من الخارجين على سياسات العباسيين تلك. ثم يقول: «.. كل ذلك يبين أن ما كان يشكو منه المسلمون من الجور والعسف لم يزل على ما كان عليه في عهد بني أمية الأول..»(1).

قال ابن الجراح: إن إبراهيم بن المهدي كان: «يرمي المأمون بأمه(2)، وإخوته، وأخواته، ومن أيسر ذلك قوله:


صد عن توبة وعن إخبــــات ولها بالمجون والقينـات
ما يبالي إذا خلا بأبي عيســـى وسرب من بدن أخـوات
أن يغص المظلوم في حومة الجور بداء بين الحشا واللهاة(3)


____________

(1) السيادة والعربية والشيعة والإسرائيليات ص 132.

(2) ولكن أمه كانت قد ماتت أيام نفاسها به!!. ولعله يريد أن أمه كانت متهمة، فكان يعير بها..

(3) الورقة، لابن الجراح ص 21، ولا بأس بمراجعة كتاب: أشعار أولاد الخلفاء.

الصفحة 181
وما يهمنا هنا هو البيت الأخير، أما ما قبله، فلا نملك إلا أن نقول: «أهل البيت أدرى بالذي فيه..».

وعلى كل حال. فإننا لا نستغرب على المأمون صفة الظلم والعسف والجور. بعد أن رأينا أنه عندما عرضت عليه سيرة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي (عليه السلام) يأبى أن يأخذ بها جميعاً، لأنه كان يجد في آخر كل منها: أنهم كانوا يأخذون الأموال من وجوهها، ويضعونها في حقوقها. لكنه قبل سيرة معاوية، الذي أراد الإعلان ببراءة الذمة ممن يذكره بخير، لأن في آخرها يقول: إنه كان يأخذ الأموال من وجوهها، ويضعها كيف شاء..، وقال المأمون حينئذٍ: «إن كان فهذا»(1)! وفي رسالة عبد الله بن موسى للمأمون نفسه ما فيه الكفاية فلتراجع في أواخر هذا الكتاب.

وماذا بعد الوصول إلى الحكم:

وهكذا.. فإن المأمون كان يحسب أنه إذا قتل أخاه، وتخلص من من أشياعه ومساعديه، وبعد أن توتي الحملة الدعائية ضدهم ثمارها ـ كان يحسب ويقدر ـ أن الطريق يكون قد مهد له للاستقرار في الحكم، وأنه سوف يستطيع بعد هذا أن يطمئن، وينام قرير العين.

ولكن فأله قد خاب، وانقلبت مجريات الأمور في غير صالحه، فإن الإيرانيين قد: «انفضوا بعد الحرب الأهلية المفجعة بين الأمين والمأمون، عن

____________

(1) المحاسن والمساوي للبيهقي ص 495.

الصفحة 182
تأييد العباسيين.»(1). انفضوا عنه ليمنحوا العلويين عطفهم ومحبتهم، وتأييدهم، لأنهم يعرفون أنهم هم الذين يقيمون العدل، ويعملون بشريعة الله ـ وما موقف نيسابور، وصلاتي العيد، إلا الدليل الواضح والقاطع على تلك العاطفة، وذلك الحب والتقدير. وأيضاً انفضوا عنه لأنه قد كشف لهم عن وجهه الحقيقي، وعرفهم بواقعه الأناني البشع، وخصوصاً بعد أن عانوا ما عانوا هم وغيرهم من صنوف الظلم والجور والاضطهاد، في ظل نظام الحكم الذي طالما عملوا من أجله، وضحوا في سبيله.

وحتى لو أنهم كانوا لا يزالون على تأييدهم له، فإنه لا يستطيع بعد هذا أن يعتمد على ذلك التأييد، وعلى ثقتهم به طويلاً، فإنه كان من السهل ـ بعد أن فعل بأخيه وأشياعه، وغيرهم. ما فعل ـ أن يكتشفوا أن ذلك منه ما كان إلا سياسة ودهاء. كما أنه أصبح من الصعب عليهم ـ بعد تجربتهم الأولى معه، ومع وعوده، التي ما أسرع ما نسيها ـ أن يقتنعوا منه بالأقوال التي لا تدعمها الأفعال، ولسوف لا يطمئنون إليه، ولن يتفادوا له ـ بعد هذا ـ بالسهولة التي كان يتوقعها.

الموقف الصعب:

كانت تلك لمحة خاطفة عن موقف العباسيين، والعرب تجاه المأمون. ذلك الموقف، الذي كان يزداد حساسية وتعقيدا، يوماً عن يوم. أضف إلى ذلك أيضاً الخطر الذي كان يكمن في موقف الخراسانيين، الذين رفعوا المأمون على العرش، وسلموا إليه أزمة الحكم والسلطان..

وإذا ما أضفنا إلى ذلك كله، موقف العلويين، الذين اغتنموا فرصة

____________

(1) إمبراطورية العرب ص 649.

الصفحة 183
الصدام بينه وبين أخيه، لتجميع صفوفهم، ومضاعفة نشاطاتهم، فلسوف تكتمل أمامنا ملامح الصورة لحقيقة الوضع والظروف، التي كان يعاني منها المأمون، ونظام حكمه آنذاك.. سيما ونحن نراه في مواجهة تلك الثورات العارمة، وبالأخص ثورات العلويين أقوى خصوم الدولة العباسية، والتي كانت تظهر من جانب ومكان، وكل ناحية من نواحي مملكته.

ثورات العلويين. وغيرهم:

فأبو السرايا ـ الذي كان يوماً ما من حزب المأمون(1) ـ خرج بالكوفة. وكان هو وأتباعه لا يلقون جيشاً إلا هزموه، ولا يتوجهون إلى بلدة إلا دخلوها(2).

ويقال: إنه قد قتل من أصحاب السلطان، في حرب أبي السرايا فقط، مئتا ألف رجل، مع أن مدته من يوم خروجه إلى يوم ضربت عنقه لم تزد على العشرة أشهر(3).

وحتى البصرة، معقل العثمانية(4)، قد أيدت العلويين، ونصرتهم،

____________

(1) ففي الطبري ج 10 ص 236، وتاريخ ابن خلدون ج 3 ص 245، والكامل لابن الأثير ج 5 ص 179، طبعة ثالثة: أن المأمون قال لهرثمة: «مالأت أهل الكوفة، والعلويين، وداهنت، ودسست إلى أبي السرايا، حتى خرج، وعمل ما عمل، وكان رجلا من أصحابك إلخ.» واتهام هرثمة بهذا مهم فيما نحن فيه أيضاً.

(2) ضحى الإسلام ج 3 ص 294، ومقاتل الطالبيين ص 535.

(3) مقاتل الطالبيين ص 550، والبداية والنهاية ج 10 ص 345.

(4) الصلة بين التصوف والتشيع ص 173، وسيأتي كلام محمد بن علي العباسي. المتعلق بهذا الموضوع، عن قريب..

الصفحة 184
فقد خرج فيها زيد النار(1)، ومعه علي بن محمد، كما خرج منها من قبل على المنصور إبراهيم بن عبد الله..

وفي مكة، ونواحي الحجاز: خرج محمد بن جعفر، الذي كان يلقب ب‍ «الديباج» وتسمى ب‍ «أمير المؤمنين»(2).

وفي اليمن: إبراهيم بن موسى بن جعفر..

وفي المدينة: خرج محمد بن سليمان بن داوود، بن الحسن بن الحسين، ابن علي بن أبي طالب.

وفي واسط: التي كان قسم كبير منها يميل إلى العمانية ـ خرج جعفر ابن محمد، بن زيد بن علي. والحسين بن إبراهيم، بن الحسن بن علي.

وفي المدائن: محمد بن إسماعيل بن محمد..

بل إنك قد لا تجد قطراً، إلا وفيه علوي يمني نفسه، أو يمنيه الناس بالثورة ضد العباسيين ـ حسبما نص عليه بعض المؤرخين ـ حتى لقد اتجه أهل الجزيرة، والشام، المعروفة بتعاطفها مع الأمويين،

____________

(1) سمي بذلك. لأنه حرق دور العباسيين في البصرة بالنار، وكان إذا أتي برجل من المسودة، أحرقه بثيابه.. على ما ذكره الطبري ج 11 ص 986، طبع ليدن، والكامل لابن الأثير ج 5 ص 177، وتاريخ ابن خلدون ج 3 ص 244، والبداية والنهاية ج 10 ص 346.

وفي الروايات أن الرضا (عليه السلام) أظهر الاستياء من فعل أخيه زيد. ولعل سبب ذلك أنه بالإضافة إلى أنه أقدم في ثورته على أعمال تنافي أحكام الدين، وتضر إضراراً بالغاً بقضية العلويين العادلة.. كان يمالئ الزيدية،.. أو لأنه أراد إبعاد شر المأمون عن زيد، وإبعاد التهمة عن نفسه، بأنه هو المدبر لأمر أخيه. أو لعل كل ذلك قد قصد.

(2) وليس في العلويين ـ باستثناء الإمام علي (عليه السلام) طبعاً ـ قبله، ولا بعده، من تسمى ب‍ «أمير المؤمنين» غيره، كما في مروج الذهب ج 3 ص 439.

و «الديباجة» لقب لأكثر من واحد من العلويين..

الصفحة 185
وآل مروان.. إلى محمد بن محمد العلوي، صاحب أبي السرايا، فكتبوا إليه: أنهم ينتظرون أن يوجه إليهم رسولاً، ليسمعوا له، ويطيعوا(1)..

وأما ثورات غير العلويين، فكثيرة أيضاً، وقد كان من بينها ما يدعو إلى: «الرضا من آل محمد»، كثورة الحسن الهرش سنة 198(2) ه‍.

وسواها ولا مجال لنا هنا للتعرض إليها. ومن أرادها فعليه بمراجعة الكتب التاريخية المتعرضة لها(3).

الزعيم العباسي الأول يعترف:

هذا مع أن أكثر تلك الأقطار لم تكن تؤيد العلويين، ولا تدين لهم بالولاء باعتراف الزعيم العباسي الأول: محمد بن علي بن عبد الله، والد إبراهيم الإمام، حيث قال لدعاته:

«.. أما الكوفة وسوادها: فهناك شيعة علي، وولده. وأما البصرة، وسوادها: فعثمانية، تدين بالكف. وأما الجزيرة: فحرورية مارقة،

____________

(1) مقاتل الطالبيين ص 534.. راجع في بيان ثورات العلويين: البداية والنهاية ج 10 ص 244، إلى ص 247، واليعقوبي ج 3 ص 173، 174، ومروج الذهب ج 3 ص 439، 440، ومقاتل الطالبيين، والطبري. وابن الأثير، وأي كتاب تاريخي شئت، لترى كيف أن الثورات في الفترة الأولى من عهد المأمون، قد عمت جميع الأقطار والأمصار..

(2) البداية والنهاية ج 10 ص 244، والطبري ج 11 ص 975، طبع ليدن.

(3) وقد تغلب حاتم بن هرثمة على أرمينية، وكان هو السبب في خروج بابك الخرمي. وتغلب نصر بن شبث على كيسوم، وسمسياط، وما جاورها، وعبر الفرات إلى الجانب الشرقي، وكثرت جموعه، ولم يستسلم إلا في سنة 207 ه‍. وهناك أيضاً حركات الزط. وثورة بابك. وثورة المصريين التي كانت بين القيسية المناصرة للأمين واليمانية المناصرة للمأمون. إلى غير ذلك مما لا مجال لنا هنا لتتبعه..

الصفحة 186
وأعراب كأعلاج، ومسلمون أخلاقهم كأخلاق النصارى. وأما الشام: فليس يعرفون إلا آل أبي سفيان، وطاعة بني مروان، عداوة راسخة، وجهل متراكم، وأما مكة والمدينة: فغلب عليهما أبو بكر، وعمر، ولكن عليكم بأهل خراسان الخ..»(1).

ونقل عن الأصمعي أيضاً كلام قريب من هذا(2).

دلالة هامة:

ومن بعض ما قدمناه في الفصول المتقدمة، سيما فصل: موقف العباسيين من العلويين، وأيضاً مما ذكرناه هنا نستطيع أن نستكشف أن حق العلويين بالخلافة والحكم، قد أصبح من الأمور المسلمة لدى الناس، في القرن الثاني، الذي يعد من خير القرون.. حيث لم تكن عقيدة عامة الناس قد استقرت بعد على هذه العقيدة المتداولة لدى أهل السنة اليوم، والتي أشرنا إلى أنها العقيدة التي وضع أسسها معاوية.. وعليه.

فما يدعيه أهل السنة اليوم من أن عقيدتهم في الخلافة قد وصلت إليهم يداً بيد، إلى عصر النبي (صلى الله عليه وآله) غير صحيح على الإطلاق، بل إن الشيخ محمد عبده يرى: إن رسوخ عقيدة: «إن حق الخلافة لأهل البيت، وشيوع ذلك في العرب خاصة». هو الذي دعا المعتصم إلى تشييد ملكه على الترك، وغيرهم من العجم، يقول الشيخ محمد عبده: «كان الإسلام ديناً عربياً، ثم لحقه العلم فصار علماً عربياً، بعد أن كان

____________

(1) البلدان للهمداني ج 2 ص 352، وأحسن التقاسيم للمقدسي ص 293، وعيون الأخبار لابن قتيبة ج 1 ص 204، والسيادة العربية، والشيعة والإسرائيليات ص 93، ولا بأس بمراجعة: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ج 1 ص 102.

(2) روض الأخيار، المنتخب من ربيع الأبرار ص 67، والعقد الفريد، طبع دار الكتاب العربي ج 6، ص 248.

الصفحة 187
يونانيا، ثم أخطأ خليفة في السياسة، فاتخذ من سعة الإسلام سبيلا إلى ما كان يظنه خيراً: ظن أن الجيش العربي قد يكون عوناً لخليفة علوي، لأن العلوي ألصق ببيت النبي (صلى الله عليه وآله)، فأراد أن يتخذ له جيشاً أجنبيا من الترك والديلم وغيرهم من الأمم التي ظن أنه يستعبدها بسلطانه، ويصطنعها بإحسانه، فلا تساعد الخارج عليه، ولا تعين طالب مكانه من الملك..»(1).

عودة على بدء:

وعلى كل حال.. فإننا إذا أردنا تقييم تلك الثورات، التي كانت تواجه الحكم العباسي، فإننا سوف نجد: أن ما كان يكمن فيه الخطر الحقيقي هو ثورات العلويين، لأنها كانت تظهر في مناطق حساسة جداً.

في الدولة، ولأنها كانت بقيادة أولئك الذين يمتلكون من قوة الحجة، والجدارة الحقيقية، ما ليس لبني العباس فيه أدنى نصيب..

وكان في تأييد الناس لهم. واستجابتهم السريعة لدعوتهم دلالة واضحة على شعور الأمة. بمختلف طبقاتها، وفئاتها تجاه حكم العباسيين، ونوعية تفكيرها تجاه خلافتهم، وعلى مدى الغضب الذي كان يستبد بالنفوس، نتيجة استهتار العباسيين، وظلمهم، وسياساتهم الرعناء، مع الناس عامة. ومع العلويين بشكل خاص.

وقد كان المأمون يعلم أكثر من أي شخص آخر، كم سوف يكون حجم الكارثة، لو تحرك الإمام الرضا ـ الذي اهتبل فرصة الحرب بينه وبين أخيه، لتحكيم مركزه، وبسط نفوذه ضد الحكم القائم..

____________

(1) الإسلام والنصرانية للشيخ محمد عبده.

الصفحة 188
الناس لم يبايعوا المأمون كلهم بعد:

وبعد كل ما تقدم.. فإن من الأهمية بمكان، أن نشير هنا، إلى أن العلويين، وقسما كبيراً من الناس، بل وعامة المسلمين، لم يكونوا قد بايعوا المأمون أصلاً:

فأما أهل بغداد، فحالهم في الخلاف عليه أشهر من أن يذكر، وقد قدمنا في أول هذا الفصل عبارته في رسالته، التي كان قد أرسلها للعباسيين في بغداد..

وأما أهل الكوفة ـ التي كانت دائما شيعة علي وولده ـ فلم يبايعوا له، بل بقوا على الخلاف عليه، إلى أن ذهب أخو الإمام الرضا (عليه السلام)!! العباس بن موسى، يدعوهم، فقعدوا عنه، ولم يجبه إلا البعض منهم، وقالوا: «إن كنت تدعو للمأمون، ثم من بعده لأخيك. فلا حاجة لنا في دعوتك. وإن كنت تدعو إلى أخيك، أو بعض أهل بيتك، أو إلى نفسك، أجبناك.»(1).

ويلاحظ هنا: كيف قد اختير رجل علوي، وأخو الإمام الرضا (عليه السلام) بالذات، ليرسل إلى الكوفة، المعروفة بالتشيع للعلويين.. ويلاحظ أيضاً: أن رفضهم الاستجابة له، إنما كان لأجل أن الدعوة تتضمن الدعوة للمأمون العباسي.

وأما أهل المدينة، ومكة، والبصرة، وسائر المناطق الحساسة في

____________

(1) الكامل لابن الأثير ج 5 ص 190، وتجارب الأمم ج 6 المطبوع مع العيون والحدائق ص 439، وفي تاريخ الطبري ج 11 ص 1020، طبع ليدن، وتاريخ ابن خلدون ج 3 ص 248: أنه قد أجابه قوم كثير منهم، ولكن قعد عنه الشيعة وآخرون.. لكن ظاهر حال الكوفة التي كانت دائما شيعة علي وولده هو أن المجيبين له كانوا قلة. كما ذكر ابن الأثير.

الصفحة 189
الدولة، فقد تقدم ما يدل على حقيقة موقفهم منه، ومن نظام حكمه. وقد كتب المأمون نفسه بخط يده، في وثيقة العهد للإمام يقول: «.. ودعا أمير المؤمنين ولده، وأهل بيته، وقواده، وخدمه، فبايعوا مسارعين.. إلى أن قال: فبايعوا معشر أهل بيت أمير المؤمنين، ومن بالمدينة المحروسة، من قواده، وجنده، وعامة المسلمين لأمير المؤمنين، وللرضا من بعده، علي بن موسى..» والوثيقة مذكورة في أواخر هذا الكتاب.

فقوله: «لأمير المؤمنين، وللرضا من بعده.» يدل دلالة واضحة على أن عامة المسلمين ما كانوا قد بايعوا بعد: «لأمير المؤمنين»، فضلاً عن: «أهل المدينة المحروسة..».

وحتى لو أنهم كانوا قد بايعوا له، فإن بيعتهم هذه، وجودها كعدمها، إذ إن عصيانهم، وتمردهم عليه، وعلى حكمه، لم يكن ليخفى على أحد.. بعدما قدمناه من ثوراتهم تلك. التي كانت تظهر من كل جانب ومكان. وكان كلما قضى على واحدة منها تظهر أخرى داعية لما كانت تدعو إليه تلك، أي إلى: «الرضا من آل محمد»، أو إلى أحد العلويين، الذين يشاهد المأمون عن كثب قدرتهم، وقوتهم، ونفوذهم الذي كان يتزايد باستمرار يوماً عن يوم.. ولم تستقم له في الحقيقة سوى خراسان.

نعم بعد أن عاد إلى بغداد، وكان قد قوي أمره، واتسع نفوذه، بدأ الناس يبايعونه في الأقطار، ويتعللون بأن امتناعهم إنما كان ظاهرياً، وأنهم كانوا في السر معه، وعلى ولائه، على ما صرح به اليعقوبي في تاريخه.

https://ahlalbayt12.7olm.org

Admin


Admin

هذا.. وبعد كل الذي قدمناه، فإننا نستطيع في نهاية المطاف: أن نجمل أهداف المأمون، وما كان يتوخاه من أخذ البيعة للرضا (عليه السلام) بولاية العهد بعده.. على النحو التالي:

الهدف الأول:

أن يأمن الخطر الذي كان يتهدده من قبل تلك الشخصية الفذة، شخصية الإمام الرضا (عليه السلام) الذي كانت كتبه تنفذ في المشرق والمغرب، وكان الأرضى في الخاصة والعامة ـ باعتراف نفس المأمون ـ، حيث لا يعود باستطاعة الإمام (عليه السلام) أن يدعو الناس إلى الثورة ولا أن يأتي بأية حركة ضد الحكم، بعد أن أصبح هو ولي العهد فيه. ولسوف لا ينظر الناس إلى أية بادرة عدائية منه لنظام الحكم القائم إلا على أنها نكران للجميل، لا مبرر لها، ولا منطق يدعمها.

وقد أشار المأمون إلى ذلك، عندما صرح بأنه: خشي إن ترك الإمام على حاله: أن ينفتق عليه منه ما لا يسده، ويأتي منه عليه ما لا يطيقه

____________

(1) مقاتل الطالبيين ص 629.

الصفحة 213
فأراد أن يجعله ولي عهده ليكون دعاؤه له. كما سيأتي بيانه في فصل: مع بعض خطط المأمون إن شاء الله تعالى.

الهدف الثاني:

أن يجعل هذه الشخصية تحت المراقبة الدقيقة، والواعية من قرب، من الداخل والخارج، وليمهد الطريق من ثم إلى القضاء عليها بأساليبه الخاصة. وقد أشرنا فيما سبق، إلى أننا لا نستبعد أن يكون من جملة ما كان يهدف إليه من وراء تزويجه الإمام بابنته، هو: أن يجعل عليه رقيبا داخليا موثوقا عنده هو، ويطمئن إليه الإمام نفسه.

وإذا ما لاحظنا أيضاً، أن: «المأمون كان يدس الوصائف هدية ليطلعنه على أخبار من شاء..»(1)، وأنه كان: للمأمون على كل واحد صاحب خبر(2). «.. فإننا نعرف السر في إرساله بعض جواريه إلى الإمام الرضا (عليه السلام) بعنوان: هدية.. وقد أرجعها الإمام (عليه السلام) إليه مع عدة أبيات من الشعر، عندما رآها اشمأزت من شيبه»(3).

ولم يكتف بذلك، بل وضع على الإمام (عليه السلام) عيوناً آخرين، يخبرونه بكل حركة من حركاته، وكل تصرف من تصرفاته.

فقد كان: «هشام بن إبراهيم الراشدي من أخص الناس عند الرضا (عليه السلام)، وكانت أمور الرضا تجري من عنده، وعلى يده، ولكنه لما حمل إلى مرو اتصل هشام بن إبراهيم بذي الرئاستين، والمأمون،

____________

(1) تاريخ التمدن الإسلامي ج 5 جلد 2 ص 549، نقلاً عن: العقد الفريد ج 1 / 148.

(2) تاريخ التمدن الإسلامي ج 4 جلد 2 ص 441، نقلاً عن: المسعودي ج 2 / 225، وطبقات الأطباء ج 1 / 171، (3) البحار ج 49 / 164، وعيون أخبار الرضا ج 2 / 178.

الصفحة 214
فحظي بذلك عندهما. وكان لا يخفي عليهما شيئاً من أخباره، فولاه المأمون حجابة الرضا. وكان لا يصل إلى الرضا إلا من أحب، وضيق على الرضا، فكان من يقصده من مواليه، لا يصل إليه. وكان لا يتكلم الرضا في داره بشيء إلا أورده هشام على المأمون، وذي الرئاستين..»(1) وعن أبي الصلت: أن الرضا «كان يناظر العلماء، فيغلبهم، فكان الناس يقولون: والله، إنه أولى بالخلافة من المأمون، فكان أهل الأخبار يرفعون ذلك إليه..»(2) وأخيراً.. فإننا نلاحظ: أن جعفر بن محمد بن الأشعث، يطلب من الإمام (عليه السلام): أن يحرق كتبه إذا قرأها، مخافة أن تقع في يد غيره، ويقول الإمام (عليه السلام) مطمئناً له: «إني إذا قرأت كتبه إلي أحرقتها.»(3) إلى غير ذلك من الدلائل والشواهد الكثيرة، التي لا نرى أننا بحاجة إلى تتبعها واستقصائها.

الهدف الثالث:

أن يجعل الإمام (عليه السلام) قريباً منه، ليتمكن من عزله عن الحياة الاجتماعية، وإبعاده عن الناس، وإبعاد الناس عنه، حتى لا يؤثر عليهم بما يمتلكه من قوة الشخصية، وبما منحه الله إياه من العلم،

____________

(1) البحار ج 49 / 139، ومسند الإمام الرضا ج 1 / 77، 78، وعيون أخبار الرضا ج 2 / 153.

(2) شرح ميمية أبي فراس ص 204، والبحار ج 49 / 290، وعيون أخبار الرضا ج 2 / 239.

(3) كشف الغمة ج 3 / 92، ومسند الإمام الرضا ج 1 / 187، وعيون أخبار الرضا ج 2 / 219.

الصفحة 215
والعقل، والحكمة. ويريد أن يحد من ذلك النفوذ له، الذي كان يتزايد باستمرار، سواء في خراسان، أو في غيرها.

وأيضاً.. أن لا يمارس الإمام أي نشاط لا يكون له هو دور رئيس فيه، وخصوصاً بالنسبة لرجال الدولة، إذ قد يتمكن الإمام (عليه السلام) من قلوبهم، ومن ثم من تدبير شيء ضد النظام القائم. دون أن يشعر أحد.

والأهم من ذلك كله:

أنه كان يريد عزل الإمام (عليه السلام) عن شيعته، ومواليه، وقطع صلاتهم به، وليقطع بذلك آمالهم، ويشتت شملهم، ويمنع الإمام من أن يصدر إليهم من أوامره، ما قد يكون له أثر كبير على مستقبل المأمون، وخلافته.

وبذلك يكون أيضاً قد مهد الطريق للقضاء على الإمام (عليه السلام) نهائياً، والتخلص منه بالطريقة المناسبة، وفي الوقت المناسب.

وقد قال المأمون إنه: «يحتاج لأن يضع من الإمام قليلاً قليلا، حتى يصوره أمام الرعية بصورة من لا يستحق لهذا الأمر. ثم يدبر فيه بما يحسم عنه مواد بلائه.» كما سيأتي.

وقد قرأنا آنفاً أنه: «كان لا يصل إلى الرضا إلا من أحب [أي هشام بن إبراهيم] وضيق على الرضا، فكان من يقصده من مواليه، لا يصل إليه».

كما أن الرضا نفسه قد كتب في رسالته منه إلى أحمد بن محمد البيزنطي، يقول: «وأما ما طلبت من الإذن علي، فإن الدخول إلي صعب، وهؤلاء قد ضيقوا علي في ذلك الآن، فلست تقدر الآن، وسيكون إن شاء الله.»(1)

____________

(1) رجال المامقاني ج 1 / 79، وعيون أخبار الرضا ج 2 / 212.

الصفحة 216
كما أننا نرى أنه عندما وصل إلى القادسية، وهو في طريقه إلى مرو، يقول لأحمد بن محمد بن أبي نصر: «إكتر لي حجرة لها بابان: باب إلى الخان، وباب إلى خارج، فإنه أستر عليك..»(1).

ولعل ذلك هو السبب في طلبه من الإمام (عليه السلام)، ومن رجاء بن أبي الضحاك: أن يمرا عن طريق البصرة، فالأهواز إلخ.. ما سيأتي: ولا نستبعد أيضاً أن يكون عزل الإمام عن الناس، هو أحد أسباب إرجاع الإمام الرضا عن صلاة العيد مرتين(2). وللسبب نفسه أيضاً فرق عنه تلامذته، عندما أخبر أنه يقوم بمهمة التدريس، وحتى لا يظهر علم الإمام، وفضله.. إلى آخر ما هنالك من صفحات تاريخ المأمون السوداء.

الهدف الرابع:

إن المأمون في نفس الوقت الذي يريد فيه أن يتخذ من الإمام مجناً يتقي به سخط الناس على بني العباس، ويحوط نفسه من نقمة الجمهور. يريد أيضاً، أن يستغل عاطفة الناس ومحبتهم لأهل البيت ـ والتي زادت

____________

(1) بصائر الدرجات ص 246، ومسند الإمام الرضا ج 1 / 155.

(2) هذه القضية معروفة ومشهورة، فراجع: الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص 246، 247، ومطالب السؤول، لمحمد بن طلحة الشافعي، طبعة حجرية ص 85، وإثبات الوصية للمسعودي ص 205، ومعادن الحكمة ص، 180، 181، ونور الأبصار ص 143، وشرح ميمية أبي فراس ص 165، وإعلام الورى ص 322، 323، وروضة الواعظين ج 1 / 271، 272، وأصول الكافي ج 1 / 489، 490، والبحار ج 49 / 135، 136، 171، 172، وعيون أخبار الرضا، وإرشاد المفيد، وأعيان الشيعة، وكشف الغمة، وغير ذلك.

ولسوف يأتي فصل: خطة الإمام، وغيره من الفصول، ما يتعلق بذلك إن شاء الله تعالى.

الصفحة 217
ونمت بعد الحالة التي خلفتها الحرب بينه وبين أخيه ـ ويوظف ذلك في صالحه هو، وصالح الحكم العباسي بشكل عام.

أي أنه. كان يهدف من وراء لعبته تلك، والتي كان يحسب أنها سوف تكون رابحة جداً ـ إلى أن يحصل على قاعدة شعبية، واسعة، وقوية. حيث كان يعتقد ويقدر: أن نظام حكمه سوف ينال من التأييد، والقوة، والنفوذ، بمقدار ما كان لتلك الشخصية من التأييد، والنفوذ والقوة. وإذا ما استطاع في نهاية الأمر أن يقضي عليها، فإنه يكون قد أمن خطراً عظيماً، كان يتهدده من قبلها. بمقدار ما كان لها من العظمة والخطر.

إن المأمون قد اختار لولاية عهده رجلاً يحظى بالاحترام والتقدير من جميع الفئات والطبقات، وله من النفوذ، والكلمة المسموعة، ما لم يكن لكل أحد سواه في ذلك الحين. بل لقد كان الكثيرون يرون: أن الخلافة حق له، وينظرون إلى الهيئة الحاكمة على أنها ظالمة له وغاصبة لذلك الحق:

يقول الدكتور الشيبي، وهو يتحدث عن الرضا (عليه السلام): «إن المأمون جعله ولي عهده، لمحاولة تألف قلوب الناس ضد قومه العباسيين، الذين حاربوه، ونصروا أخاه..»(1).

ويقول:. «.. وقد كان الرضا من قوة الشخصية، وسمو المكانة: أن التف حوله المرجئة، وأهل الحديث، والزيدية، ثم عادوا إلى مذاهبهم بعد موته.»(2).

____________

(1) الصلة بين التصوف والتشيع ص 223، 224.. ونحن لا نوافق الدكتور الشيبي على أنه كان يريد التقوي بذلك على العباسيين، كما اتضح، وسيتضح إن شاء الله.

(2) المصدر السابق ص 214.

الصفحة 218
وكذلك هو يقول ـ وهو مهم فيما نحن بصدده ـ: «.. إن الرضا لم يكن بعد توليته العهد إمام الشيعة وحدهم، وإنما مر بنا:

أن الناس، حتى أهل السنة، والزيدية، وسائر الطوائف الشيعية المتناحرة.. قد اجتمعت على إمامته، واتباعه، والالتفاف حوله.»(1).

وهذا كما ترى تصريح واضح منه بهدف المأمون، الذي نحن بصدد بيانه.

ويقول محمد بن طلحة الشافعي مشيراً إلى ذلك، في معرض حديثه عن الإمام الرضا (عليه السلام): «.. نما إيمانه، وعلا شأنه، وارتفع مكانه، وكثر أعوانه، وظهر برهانه، حتى أدخله الخليفة المأمون محل مهجته، وأشركه في مملكته.»(2).

وتقدم أنه (عليه السلام) كان ـ باعتراف المأمون ـ «الأرضى في الخاصة والعامة» وأن كتبه كانت تنفذ في المشرق والمغرب، حتى إن البيعة له بولاية العهد، لم تزده في النعمة شيئاً.. وأنه كان له من قوة الشخصية ما دفع أحد أعدائه لأن يقول في حقه للمأمون: «هذا الذي بجنبك والله صنم يعبد دون الله» إلى آخر ما هنالك، مما قدمنا «غيضاً من فيض منه».

كما وتقدم أيضاً قول المأمون في رسالته للعباسيين: «.. وإن تزعموا: أني أردت أن يؤول إليهم عاقبة ومنفعة [يعني للعلويين]، فإني في تدبيركم، والنظر لكم. ولعقبكم، وأبنائكم من بعدكم..»، وأيضاً عبارته التي كتبها المأمون بخط يده في وثيقة العهد، فلا نعيد.

وهكذا.. فما على العباسيين إلا أن ينعموا بالاً، ويقروا عيناً، فإن المأمون كان يدبر الأمر لصالحهم ومن أجلهم.. وليس كما يقوله

____________

(1) المصدر السابق ص 256.

(2) مطالب السؤول ص 84، 85. وقريب منه ما في: الإتحاف بحب الأشراف ص 58.

الصفحة 219
الدكتور الشيبي، وغيره من أنه أراد أن يحصل على التأييد الواسع، ليقابل العباسيين، ويقف في وجههم.

إشارة هامة لا بد منها:

هذا.. ويحسن بنا أن نشير هنا: إلى ما قاله ابن المعتز في الروافض. وإلقاء نظرة فاحصة على السبب الذي جعلهم مستحقين لهذه الحملة الشعواء منه.. فهو يقول:


لقد قال الروافض في علـي مقالاً جامعاً كفراً وموقـــا
زنادقة أرادت كسب مــال من الجهال فاتخذته سوقــا
وأشهد أنه منهم بــــريّ وكان بأن يقتلهم خليقـــا
كما كذبوا عليه وهو حــي فأطعم ناره منهم فريقـــا
وكانوا بالرضا شغفوا زماناً وقد نفخوا به في الناس بوقا
وقالوا: إنه رب قديـــرا فكم لصق السواد به لصوقا(1)


وهذه الأبيات تعبر عن مدى صدمة ابن المعتز، وخيبة أمله في الروافض، الذين ضايقه جداً امتداد دعوتهم في طول البلاد الإسلامية، وعرضها. وخصوصاً في زمن الرضا. والذي لم يجد شيئاً يستطيع أن ينتقص به إمامهم الرضا (عليه السلام) سوى أنه كان أسود اللون، وأن الروافض قالوا: إنه رب قدير.. وسر حنقه هذا على الروافض ليس هو إلا عقيدتهم في علي (عليه السلام) ـ التي كان يراها خطراً حقيقياً على القضية العباسية ـ والتي تتلخص بأنه (عليه السلام): يستحق الخلافة بالنص. وهذه العقيدة والمقالة هي التي جعلتهم يستحقون من ابن المعتز أن يجمع لهم بين

____________

(1) ديوان ابن المعتز ص 300، 301، والأدب في ظل التشيع ص 206.

الصفحة 220
وصفي الكفر والزندقة، واتهامه لهم، بأنهم يقصدون بذلك كسب المال من الجهال. ثم يتهمهم بأنهم قد قالوا بنفس هذه المقالة في علي الرضا (عليه السلام)، فقالوا: إنه الإمام الثابت إمامته بالنص، وشهروا بذلك، حتى علم به عامة الناس، ونفخوا به في الناس بوقاً.. وحتى لقد التف حوله أهل الحديث، والزيدية. بل والمرجئة، وأهل السنة، على حد تعبير الشيبي، وقالوا: بإمامة أبيه، ثم بإمامته.

وبديهي.. أن لا يرتاح ابن المعتز، الذي كان في صميم الأسرة العباسية لهذا الامتداد للتشيع، ولمقالة الروافض، حيث إن ذلك يعني أن الأئمة الذين هم بين الرضا، وعلي أمير المؤمنين (عليهما السلام)، كلهم تثبت إمامتهم بالنص.

ولقد بلغ من حنقه عليهم، بسبب ذلك الامتداد الواسع لعقيدتهم ـ وخصوصاً في زمان الرضا ـ أن دفعه إلى أن يخلط عن عمد، أو عن غير عمد بين عقيدة الروافض هذه، وبين عقيدة الغلاة، حيث أضاف إلى مقالة الروافض تلك مقالة أخرى، هي: القول بألوهية علي (عليه السلام).

وإذا كنا واثقين من أن الفرق الشاسع بين عقيدة الروافض، وعقيدة الغلاة، لم يكن ليخفى على مثل ابن المعتز، بل على من هو أقل منه بمراتب، فإننا سوف ندرك بما لا مجال معه للشك: أن يقصد بهذا الخلط المتعمد: التشنيع على الروافض، وتهجين عقيدتهم، إذ أنه يقصد ب‍ «الروافض»، ـ حسبما هو صريح كلامه ـ خصوص القائلين بإمامة الرضا، وإمامة علي أمير المؤمنين، ومن بينهما. وهو يعلم وكل أحد يعلم: أنه ليس فيهم من يقول بألوهية أحدهما، أو ألوهيتهما، أو ألوهية غيرهما من أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

وأخيراً.. فإن قول واعتراف ابن المعتز هذا ـ وهو من نعلم ـ
الصفحة 221
لخير دليل على مدى تحرر الشيعة في زمن الرضا، واتساع نفوذهم، وعلى أن شخصية الرضا (عليه السلام)، كانت قد استقطبت قطاعاً واسعاً، إن لم نقل: أنه القطاع الأكبر من الأمة الإسلامية، في طول البلاد وعرضها، في تلك الفترة من الزمن، وقد تقدم بعض ما يدل على ذلك، فلا نعيد.

الهدف الخامس:

هذا.. ونستطيع أن نقول أيضاً: إنه كان يريد أن يقوي من دعائم حكمه، حيث قد أصبح الحكم يمتلك شخصية تعنو لها الجباه بالرضا والتسليم، ولقد كان الحكم بأمس الحاجة إلى شخصية من هذا القبيل. في مقابل أولئك المتزلفين القاصرين، الذين كانوا يتجمعون حول الحكم العباسي، طلبا للشهرة، وطمعا بالمال، والذين لم يعد يخفى على أحد حالهم ومآلهم.. وعلى الأخص بعد أن رأى فشلهم في صد حملات علماء الملل الأخرى، والذين كانوا قد ضاعفوا نشاطاتهم، عندما رأوا ضعف الدولة، وتمزقها، وتفرقها إلى جماعات وأحزاب.

نعم.. لقد كان الحكم يحتاج إلى العلماء الأكفاء، والأحرار في تفكيرهم، وفي نظرتهم الواعية للإنسان والحياة، ولم يعد بحاجة إلى المتزلفين، والجامدين، والإنهزاميين، ولهذا نراه يستبعد أصحاب الحديث الجامدين، الذين كان أكثرهم في الجهة المناوئة له، يشدون من أزرها، ويقيمون أودها..

ويقرب المعتزلة: كبشر المريسي، وأبي الهذيل العلاف وأضرابهما. ولكن الشخصية العلمية، التي لا يشك أحد في تفوقها على جميع أهل الأرض علماً وزهدا، وورعاً وفضلاً الخ. كانت منحصرة في الإمام الرضا (عليه السلام)، باعتراف من نفس المأمون، كما قدمنا، ولهذا فقد كان الحكم يحتاج إليها أكثر من احتياجه لأية شخصية أخرى، مهما بلغت.

الصفحة 222
الهدف السادس:

ولعل من الأهمية بمكان بالنسبة إليه، أنه يكون في تلك الفترة المليئة بالقلاقل والثورات، قد أتى الأمة بمفاجئة مثيرة، من شأنها أن تصرف أنظار الناس عن حقيقة ما يجري، وما يحدث، وعن واقع المشاكل التي كان يعاني الحكم والأمة منها، وما أكثرها.

وقد عبر إبراهيم بن المهدي، عن دهشة بني العباس في أبياته المتقدمة. حتى لقد ذهل ـ على حد قوله ـ الحواضن عن بنيها! وصد الثدي عن فمه الصبي!

وبعد هذا. فلسنا بحاجة إلى كبير عناء، لإدراك مدى دهشة غيرهم: ممن رأوا وسمعوا بمعاملة العباسيين لأبناء عمهم. ولسوف ندرك مدى عظمة دهشتهم تلك إذا ما لاحظنا: أنهم كانوا سياسياً أقل وعيا وتجربة من مثل إبراهيم بن المهدي، الذي عاش في أحضان الخلافة. وكان بمرأى ومسمع من ألاعيب السياسة، ومكر الرجال.

الهدف السابع:

طبيعي بعد هذا: أنه قد أصبح يستطيع أن يدعي، بل لقد ادعى بالفعل ـ على ما في وثيقة العهد ـ: أن جميع تصرفاته، وأعماله، لم يكن يهدف من ورائها، إلا الخير للأمة، ومصلحة المسلمين، وحتى قتله أخاه، لم يكن من أجل الحكم، والرياسة، بقدر ما كان من أجل خير المسلمين، والمصلحة العامة، يدل على ذلك: أنه عندما رأى أن خير الأمة، إنما هو في إخراج الخلافة من بني العباس كلية، وهم الذين ضحوا الكثير في سبيلها، وقدموا من أجلها ما يعلمه كل أحد ـ عندما رأى ذلك ـ وأن ذلك لا يكون إلا بإخراجها إلى ألد أعدائهم،
الصفحة 223
سارع إلى ذلك، بكل رضى نفس، وطيبة خاطر.. وليكون بذلك قد كفر عن جريمته النكراء، والتي كانت أحد أسباب زعزعة ثقة الناس به، ألا وهي: قتله أخاه الأمين، العزيز على العباسيين والعرب. وليكون بذلك، قد ربط الأمة بالخلافة، وكسب ثقتها فيها، وشد قلوب الناس، وأنظارهم إليها، حيث أصبح باستطاعتهم أن ينتظروا منها أن تقيم العدل، وترفع الظلم، وأن تكون معهم، وفي خدمتهم، وتعيش قضاياهم. وليكون لها من ثم من المكانة والتقدير، وما يجعلها في منأى ومأمن من كل من يتحينون بها الفرص، ويبغون لها الغوائل.

ويدل على ذلك ـ عدا عما ورد في وثيقة العهد ـ ما ورد من أن المأمون كتب إلى عبد الجبار بن سعد المساحقي، عامله على المدينة: أن اخطب الناس، وادعهم إلى بيعة الرضا، فقام خطيبا، فقال:

«يا أيها الناس، هذا الأمر الذي كنتم فيه ترغبون، والعدل الذي كنتم تنتظرون، والخير الذي كنتم ترجون، هذا علي بن موسى، بن جعفر، بن محمد، بن علي، بن الحسين، بن علي بن أبي طالب:


ستة آباؤهم ما هـــــم من أفضل من يشرب صوب الغمام»(1)


وقد أكد ذلك بحسن اختياره، إذ قد اختار هذه الشخصية، التي تمثل ـ في الحقيقة ـ أمل الأمة، ورجاءها، في حاضرها، ومستقبلها، وتكون النتيجة ـ بعد ذلك ـ أنه يكون قد حصل على حماية لكل تصرف يقدم عليه في المستقبل، وكل عمل يقوم به.. مهما كان غريباً، ومهما كان غير معقول، فإن على الأمة أن تعتبره صحيحاً وسليماً،

____________

(1) العقد الفريد ج 3 / 392، طبع مصطفى محمد بمصر سنة 1935 و «ما» في البيت زائدة.. ولا يخفى ما في البيت، وقد أثبتناه، كما وجدناه.

الصفحة 224
لا بد منه، ولا غنى عنه، وإن لم تعرف ظروفه، ودوافعه الحقيقية. بل وحتى مع علمها بها، فإن عليها أن تؤول ما يقبل التأويل، وإلا. فإن عليها أن تدفن رأسها في التراب، وتتناسى ما تعلم. أو أن تعتبر نفسها قاصرة عن إدراك المصالح الحقيقية الكامنة في تلك التصرفات الغريبة، وأن ما أدركته ـ ولو كان حقاً ـ لا واقع له، ولا حقيقة وراءه. ويدل على ذلك بشكل واضح أبيات ابن المعتز الآتية ص 305/306 يقول ابن المعتز:


وأعطاكم المأمون حق خلافة لنا حقها لكنه جاد بالدنيــــــا
ليعلمكم أن التي قد حرصتموا عليها وغودرتم على أثرها صرعى
يسير عليه فقدها غير مكثـر كما ينبغي للصالحين ذوي التقـوى


وعلى كل حال، فإنه يتفرع على ما ذكرناه:

أولاً: إنه بعد أن أقدم على ما أقدم عليه، فليس من المنطقي بعد للعرب أن يسخطوا عليه، بسبب معاملة أبيه، أو أخيه، وسائر أسلافه لهم، فإن المرء بما كسب هو، لا بما كسب أهله، ولا تزر وازرة وزر أخرى.

وكيف يجوز لهم أن يغضبوا بعد، وهو قد أرجع الخلافة إليهم، بل وإلى أعرق بيت فيهم. وعرفهم عملا: أنه لا يريد لهم، ولغيرهم، إلا الصلاح والخير..

وليس لهم بعد حق في أن ينقموا عليه معاملته القاسية لهم، ولا قتله أخاه، ولا أن يزعجهم، ويخيفهم تقريبه للإيرانيين، ولا جعله مقر حكمه مروا إلى آخر ما هنالك.. ما دام أن الخلافة قد عادت إليهم، على حسب ما يشتهون، وعلى وفق ما يريدون.

ومن هنا.. فلا يجب أن نعجب كثيراً، حين نراهم: قد تلقوا بيعة الرضا بنفوس طيبة، وقلوب رضية. حتى أهل بغداد نرى أنهم قد تقبلوها إلى حد كبير، فقد نص المؤرخون ـ ومنهم الطبري، وابن مسكويه ـ على أن بعضهم وافق، والبعض الآخر ـ وهم أنصار بني
الصفحة 225
العباس ـ رفض. وهذا يدل دلالة واضحة: على أن بغداد، معقل العباسيين الأول، كانت تتعاطف مع العلويين إلى درجة كبيرة..

بل ونص المؤرخون، على أن: إبراهيم بن المهدي، المعروف بابن شكلة، الذي بويع له في بغداد غضبا من تولية الرضا للعهد: لم يستطع أن يسيطر إلا على بغداد، والكوفة والسواد(1)، بل وحتى الكوفة قد استمرت الحرب قائمة فيها على ساق وقدم أشهراً عديدة بين أنصار المأمون، وعليهم الخضرة، وأنصار العباسيين وعليهم السواد(2).

وثانياً: وأما الإيرانيون عامة، والخراسانيون خاصة، والمعروفون بتشيعهم للعلويين، فقد ضمن المأمون استمرار تأييدهم له، وثقتهم به، بعد أن حقق لهم غاية أمانيهم. وأغلى أحلامهم، وأثبت لهم عملاً، حبه لمن يحبون، ووده لمن يودون.. وأن لا ميزة عنده لعباسي على غيره، ولا لعربي على غيره، وأن الذي يسعى إليه، هو ـ فقط خير الأمة، ومصلحتها، بجميع فئاتها، ومختلف طبقاتها، وأجناسها.

ملاحظة هامة:

إن من الجدير بالملاحظة هنا: أن الرضا (عليه السلام) كان قد قدم إلى إيران قبل ذلك. والظاهر أنه قدمها في حدود سنة 193 ه‍. أي في الوقت المناسب لوفاة الرشيد، فقد ذكر الرضي المعاصر للمجلسي في كتابه: ضيافة الإخوان: أن علياً الرضا (عليه السلام) كان مستخفياً في قزوين في دار داوود بن سليمان الغازي أبي عبد الله، ولداوود نسخة يرويها عن الرضا (عليه السلام)، وأهل قزوين يروونها عن داوود، كإسحاق بن محمد، وعلي بن مهرويه(3).

____________

(1) راجع البداية والنهاية ج 10 / 248، وغيره من كتب التاريخ. وزاد أحمد شلبي في كتابه: التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ج 3 / 105 ـ زاد على ذلك: المدائن أيضاً.

(2) راجع: الكامل لابن الأثير ج 5 / 190، والبداية والنهاية ج 10 / 248، وغير ذلك.

(3) راجع كتاب: ضيافة الإخوان مخطوط في مكتبة المدرسة الفيضية في قم، في ترجمة أبي عبد الله القزويني، وعلي بن مهرويه القزويني.

الصفحة 226
وقال الرافعي في التدوين: «وقد اشتهر اجتياز علي بن موسى الرضا بقزوين. ويقال: إنه كان مستخفيا في دار داوود بن سليمان الغازي، روى عنه النسخة المعروفة، وروى عنه إسحاق بن محمد، وعلي بن مهرويه، وغيرهما.

قال الخليل: «وابنه المدفون في مقبرة قزوين، يقال: إنه كان ابن سنتين، أو أصغر»(1) انتهى كلام الرافعي.

والمراد بالخليل في كلامه، هو الخليل بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم الخليلي، القزويني، وهو الحافظ المشهور، مصنف كتاب الإرشاد، وكتاب تاريخ قزوين، الذي فرغ من تأليفه حوالي سنة أربعمائة هجرية، وكانت وفاته سنة 446 ه‍.

الهدف الثامن:

لقد كان من نتائج اختياره الإمام، والبيعة له بولاية العهد ـ التي كان يتوقعها ـ: أن أخمد ثورات العلويين في جميع الولايات والأمصار.

ولعله لم تقم أية ثورة علوية ضد المأمون ـ بعد البيعة للرضا، سوى ثورة عبد الرحمان بن أحمد في اليمن. وكان سببها ـ باتفاق المؤرخين ـ هو فقط: ظلم الولاة وجورهم، وقد رجع إلى الطاعة بمجرد الوعد بتلبية مطالبه.

بل لا بد لنا أن نضيف إلى ذلك:

أ ـ: إنه ليس فقط أخمد ثوراتهم. بل لقد حصل على ثقة

____________

(1) التدوين قسم 2 ورقة 235 مخطوط في مكتبة دار التبليغ الإسلامي في قم، ترجمة علي الرضا..

https://ahlalbayt12.7olm.org

Admin


Admin

أضواء على الموقف




1 ـ عرض الخلافة، ورفض الإمام.

2 ـ قبول ولاية العهد بعد التهديد.

3 ـ مدى جدية عرض الخلافة.

4 ـ موقف الإمام.

5 ـ خطة الإمام..

الصفحة 276
الصفحة 277

عرض الخلافة، ورفض الإمام (عليه السلام)

نصوص تاريخية:

تحدثنا كتب التاريخ: أن المأمون كان قد عرض الخلافة على الإمام أولاً..(1) لكنه (عليه السلام) رفض قبولها أشد الرفض، وبقي مدة يحاول إقناعه بالقبول، فلم يفلح. وقد ورد أن محاولاته هذه، استمرت في مرو وحدها أكثر من شهرين والإمام (عليه السلام) يأبى عليه ذلك(2).

بل لقد ورد أنه (عليه السلام) كان قد أجاب المأمون بما يكره، فقد: قال المأمون للإمام: «.. يا ابن رسول الله، قد عرفت فضلك، وعلمك، وزهدك، وورعك، وعبادتك، وأراك أحق بالخلافة مني..».

____________

(1) كما نص عليه في البداية والنهاية ج 10 ص 250، والفخري في الآداب السلطانية ص 217، وغاية الاختصار ص 67، وينابيع المودة للحنفي ص 384، ومقاتل الطالبيين، وغير هؤلاء كثير.. وسنشير في آخر هذا الفصل إلى طائفة منهم أيضاً..

لكن السيوطي قال في تاريخ الخلفاء «.. حتى قيل: أنه هم أن يخلع نفسه، ويفوض الأمر إليه..» أما رفضه لذلك، فهو أشهر من أن يذكر كما سيأتي..

(2) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 149، والبحار ج 49 ص 134، وينابيع المودة وغير ذلك.

الصفحة 278
فقال الإمام (عليه السلام): «.. بالزهد بالدنيا أرجو النجاة من شر الدنيا، وبالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم، وبالتواضع في الدنيا أرجو الرفعة عند الله..

قال المأمون: فإني قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة، وأجعلها لك، وأبايعك؟!.

فقال الإمام (عليه السلام): إن كانت هذه الخلافة لك، فلا يجوز أن تخلع لباساً ألبسكه الله، وتجعله لغيرك، وإن كانت الخلافة ليست لك، فلا يجوز أن تجعل لي ما ليس لك(1).

قال المأمون: لا بد لك من قبول هذا الأمر!!

فقال الإمام (عليه السلام): لست أفعل ذلك طائعاً أبداً..

فما زال يجهد به أياما، والفضل والحسن(2) يأتيانه، حتى يئس من قبوله..

وخرج ذو الرئاستين مرة على الناس قائلاً: وا عجبا! وقد رأيت عجباً! رأيت المأمون أمير المؤمنين يفوض أمر الخلافة إلى الرضا.

____________

(1) عبارة تاريخ الشيعة ص 51، 52 هكذا: «.. إن كانت الخلافة حقاً لك من الله، فليس لك أن تخلعها عنك، وتوليها غيرك. وإن لم تكن لك، فكيف تهب ما ليس لك.» وهذه أوضح وأدل.

(2) لا ندري ما الذي أوصل الحسن بن سهل إلى مرو، مع أنه كان آنئذٍ في العراق، ولعل ذكر الحسن اشتباه من الراوي، واحتمل السيد الأمين في أعيان الشيعة ج 4 قسم 2 ص 120: أن يكون المأمون قد استدعى الحسن بهذه المناسبة إلى خراسان، فلما تم أمر البيعة عاد إلى بغداد.

الصفحة 279
ورأيت الرضا يقول: لا طاقة لي بذلك، ولا قدرة لي عليه. فما رأيت خلافة قط كانت أضيع منها(1).

____________

(1) راجع في جميع هذه النصوص بالإضافة إلى ما تقدم: روضة الواعظين ج 1 ص 267، 268، 269، وإعلام الورى ص 320، وعلل الشرايع ج 1 ص 236، وينابيع المودة ص 384، وأمالي الصدوق ص 42، 43، والإرشاد ص 310، وكشف الغمة ج 3 ص 65، 66، 66، 87، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 149، 140. والمناقب ج 4 ص 363، والكافي ج 1 ص 489، والبحار ج 49 ص 129، 134، 136. ومعادن الحكمة، وتاريخ الشيعة، ومثير الأحزان ص 261، وشرح ميمية أبي فراس ص 164، 165، وغاية الاختصار ص 68.

الصفحة 280

قبول ولاية العهد بعد التهديد

مع محاولات المأمون لإقناع الإمام:

الذي يبدو من ملاحظة كتب التاريخ والرواية، هو: أن محاولات المأمون لإقناع الإمام بما يريد، كانت متعددة، ومتنوعة، وأنها بدأت من حين كان الإمام (عليه السلام) لا يزال في المدينة. حيث كان المأمون يكاتبه، محاولاً إقناعه بذلك، فلم ينجح، وعلم الإمام أنه لا يكف عنه. ثم أرسل رجاء بن أبي الضحاك، وهو قرابة الفضل والحسن ابني سهل(1)، فأتى بالإمام (عليه السلام) من المدينة إلى مرو رغما عنه.. وبذل المأمون في مرو أيضاً محاولات عديدة، استمرت أكثر من شهرين. وكان يتهدد الإمام بالقتل، تلويحا تارة، وتصريحا أخرى، والإمام (عليه السلام) يأبى قبول ما يعرضه عليه.. إلى أن علم أنه لا يمكن أن يكف عنه، وأنه لا محيص له عن القبول، فقبل ولاية العهد مكرها، وهو باك حزين ـ على حد تعبير الكثيرين ـ، وكانت البيعة له في السابع من شهر رمضان، سنة [201 ه‍ ]، كما يتضح من تاريخ ولاية العهد..

____________

(1) وقيل: أنه عمهما، وقد كان رجاء هذا من قواد المأمون، وقد ولاه المأمون خراسان مدة، لكنه أساء السيرة، فعزله.

الصفحة 281
بعض ما يدل على عدم رضا الإمام (عليه السلام):

والنصوص الدالة على عدم رضا الإمام (عليه السلام) بهذا الأمر كثيرة، ومتواترة، فقد قال أبو الفرج: «.. فأرسلهما [يعني الفضل والحسن ابني سهل] إلى علي بن موسى، فعرضا ذلك [يعني ولاية العهد] عليه، فأبى، فلم يزالا به، وهو يأبى ذلك، ويمتنع منه..

إلى أن قال له أحدهما: «إن فعلت ذلك، وإلا فعلنا بك وصنعنا، وتهدده، ثم قال له أحدهما: والله، أمرني بضرب عنقك، إذا خالفت ما يريد»!. ثم دعا به المأمون، وتهدده، فامتنع، فقال له قولاً شبيهاً بالتهديد، ثم قال له: «إن عمر جعل الشورى في ستة، أحدهم: جدك وقال: من خالف فاضربوا عنقه، ولا بد من قبول ذلك..»(1)!

ويروي آخرون: أن المأمون قال له: «.. يا ابن رسول الله، إنما تريد بذلك [يعني بما أخبره به عن آبائه من موته قبله مسموماً] التخفيف عن نفسك، ودفع هذا الأمر عنك، ليقول الناس: إنك زاهد في الدنيا..

فقال الرضا: والله، ما كذبت منذ خلقني ربي عز وجل، وما زهدت في الدنيا للدنيا، وإني لأعلم ما تريد؟!.

فقال المأمون: وما أريد؟!

قال: الأمان على الصدق؟

قال: لك الأمان.

قال: تريد بذلك أن يقول الناس: إن علي بن موسى لم يزهد في

____________

(1) مقاتل الطالبيين ص 562، 563، وقريب منه ما في إرشاد المفيد ص 310 وغير ذلك.

الصفحة 282
الدنيا، بل زهدت الدنيا فيه: ألا ترون: كيف قبل ولاية العهد طعماً في الخلافة؟!

فغضب المأمون، وقال له: «إنك تتلقاني أبداً بما أكرهه، وقد آمنت سطوتي، فبالله أقسم: لئن قبلت ولاية العهد. وإلا أجبرتك على ذلك، فإن فعلت، وإلا ضربت عنقك..»(1).

وقال الإمام الرضا (عليه السلام) في جواب الريان له، عن سر قبوله لولاية العهد:

«.. قد علم الله كراهتي لذلك، فلما خيرت بين قبول ذلك وبين القتل، اخترت القبول على القتل، ويحهم. إلى أن قال: ودفعتني الضرورة إلى قبول ذلك، على إجبار وإكراه، بعد الإشراف على الهلاك إلخ..»(2).

وقال في دعاء له: «.. وقد أكرهت واضطررت، كما أشرفت من عبد الله المأمون على القتل، متى لم أقبل ولاية العهد..».

وقال في جواب أبي الصلت: «وأنا رجل من ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله)

____________

(1) راجع في ذلك. مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 363، وأمالي الصدوق ص 43، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 140، وعلل الشرايع ج 1 ص 238، ومثير الأحزان ص 261، 262، وروضة الواعظين ج 1 ص 267، والبحار ج 49 ص 129، وغير ذلك.

وفي تاريخ الشيعة ص 52: أنه بعد أن عرض عليه الخلافة، وأجابه بالجواب المتقدم في الفصل السابق، قال له: «.. إذن، تقبل ولاية العهد». فأبى عليه الإمام أشد الإباء، فقال له المأمون: «.. ما استقدمناك باختيارك، فلا نعهد إليك باختيارك.

والله، إن لم تفعل ضربت عنقك..».

(2) علل الشرايع ج 1 ص 239، وروضة الواعظين ج 1 ص 268، وأمالي الصدوق ص 72، والبحار ج 49 ص 130، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 139.

الصفحة 283
أجبرني على هذا الأمر وأكرهني عليه..».

بل لقد أعرب عن عدم رضاه في نفس ما كتبه على ظهر وثيقة العهد، وأنه يعلم بعدم تمامية هذا الأمر، وإنما يفعل ذلك امتثالاً لأمر المأمون، وإيثاراً لرضاه..

أما الباحثون وغيرهم فيقولون:

أما الباحثون، فلعلنا لا نكاد نعثر على باحث يتعرض لهذا الأمر ينسى أن يؤكد على رفض الإمام (عليه السلام) لهذا الأمر، واستيائه منه..

يقول أحمد أمين: «.. والزم الرضا بذلك، فامتنع، ثم أجاب..»(1).

وقال القندوزي: إنه قبل ولاية العهد، وهو باك حزين(2).

وقال المسعودي: «.. فألح عليه، فامتنع، فأقسم، فأبر قسمه الخ.»(3).

وعلى كل حال: فإن النصوص التاريخية الدالة على عدم رضاه (عليه السلام) بهذا الأمر، وأنه مكره مجبر عليه كثيرة جداً(4). وتضارعها كثرة

____________

(1) ضحى الإسلام ج 3 ص 294.

(2) ينابيع المودة ص 284.

(3) إثبات الوصية ص 205.

(4) وإنه وإن كان سيمر معنا نصوص أخرى تدل على ذلك.. إلا أننا نحيل القارئ على بعض مظان وجودها، فراجع: ينابيع المودة ص 384، ومثير الأحزان ص 261، 262، 263، وكشف الغمة ج 3 ص 65، وأمالي الصدوق ص 68، 72،

=>

الصفحة 284
أقوال الباحثين، الذين تعرضوا لهذا الموضوع. ولذا فليس من اليسير الإحاطة بها واستقصاؤها في مثل هذه العجالة.

ولهذا.. فإننا نكتفي هنا بهذا القدر، حيث إن المجال لا يتسع لأكثر من ذلك..

____________


<=

والبحار ج 49 ص 129، 131، 149، وعلل الشرايع ج 1 ص 237، 238، إرشاد المفيد ص 191، وعيون أخبار الرضا ج 1 ص 19، و ج 2 ص 139، 140، 141، 149، وإعلام الورى 320، والخرائج والجرائح، وغير ذلك..

الصفحة 285

مدى جدية عرض الخلافة

عرض الخلافة ليس جدياً..:

مر معنا أن المأمون كان قد عرض أولاً الخلافة على الإمام، وأنه ألح عليه بقبولها كثيراً، سواء وهو في المدينة، أو بعد استقدامه إلى مرو، وأنه تهدده فلم يقبلها، فلما يئس من قبوله الخلافة، عرض عليه ولاية العهد، فامتنع أيضاً. ولم يقبل إلا بعد أن تهدده بالقتل، وعرف الجد في ذلك التهديد!!

وهنا سؤال لا بد من الإجابة عليه، وهو:

هل كان المأمون جاداً في عرضه الخلافة على الإمام؟!.

ويتفرع على الإجابة على هذا السؤال سؤال آخر، وهو:

إذا لم يكن المأمون جاداً في عرضه ذاك، فماذا ترى سوف يكون موقف المأمون، لو أن الإمام قبل أن يتقلد الخلافة، ويضطلع بشؤونها؟!.

ومن أجل استيفاء الجواب عن هذين السؤالين، لا بد لنا من الإسهاب في المقال، بالقدر الذي يتسع لنا به المجال فنقول:

الصفحة 286
الإجابة على السؤال الأول:

أما عن السؤال الأول، فإن الحقيقة هي: أن جميع الشواهد والدلائل تدل على أنه لم يكن جاداً في عرضه للخلافة:

وقد قدمنا أننا لا يمكن أن نتصور المأمون الحريص على الخلافة حرصه على نفسه، والذي قتل من أجلها أخاه. وأتباعه، بل وحتى وزراءه هو وقواده، وغيرهم. وأهلك العباد، وخرب البلاد، حتى لقد خرب بغداد بلد آبائه، وأزال كل محاسنها ـ لا يمكن أن نتصور ـ المأمون، الذي فعل كل ذلك وسواه من أجل الحصول على الخلافة.. أن يتنازل عنها بهذه السهولة، بل ومع هذا الالحاح والإصرار منه، لرجل غريب، ليس له من القربى منه ما لأخيه، ولا من الثقة به ماله بقواده، ووزرائه!.

أم يعقل أن تكون الخلافة أعز من هؤلاء جميعاً، والرضا فقط هو الأعز منها؟!.

وهل يمكن أن نصدق، أو يصدق أحد: أن كل ذلك، حتى قتله أخاه، كان في سبيل مصلحة الأمة ومن أجلها، ولكي يفسح المجال أمام من هو أجدر بالخلافة، وأحق بها من أخيه، ومنه؟!.

وكيف يمكن أن نعتبر إصراره الشديد على الإمام، والذي استمر أشهراً عديدة، قبل استقدامه إلى مرو وبعده، والذي انتهى به إلى حد تهديده إياه بالقتل ـ كيف يمكن أن نعتبره رفقاً منه بالأمة، وحبا لها، وغيرة على صالحها.. مع أننا نسمعه من جهة ثانية هو نفسه يصرح: بأن نفسه لم تسنح بالخلافة، عندما عرضها على الإمام؟!(1).

وإذا لم تسنح نفسه بالخلافة، فلماذا يهدده بالقتل إن لم يقبلها؟!.

____________

(1) قاموس الرجال ج 10 ص 371، وغيبة الشيخ الطوسي ص 49.

الصفحة 287
وكيف يمكن أن نوفق بين تهديداته تلك، وجدية عرضه للخلافة.. وبين قوله: إنه لم يقصد إلا أن يوليه العهد، ليكون دعاء الإمام له، وليعتقد فيه المفتونون به الخ. ما سيأتي؟!.

وإذا كان قد نذر أن يوليه «الخلافة»، لو ظفر بأخيه الأمين، حسبما ورد في بعض النصوص التاريخية، فلماذا، وكيف جاز له الاكتفاء بتوليته العهد؟!.

وكيف استطاع إجباره على قبول ولاية العهد، ولم يستطع إجباره على قبول الخلافة؟!

وأيضاً.. ولماذا بعد أن رفض الإمام (عليه السلام) العرض، لا يتركه وشأنه؟

وأين هي أنفة الملوك، وعزة السلطان؟!.

وإذا كان يأتي به المدينة ليجعله خليفة المسلمين، ويرفع من شأنه، فلماذا يأمره ويؤكد عليه في أن لا يمر عن طريق الكوفة وقم، وحتى لا يفتتن به الناس؟!.

وأيضاً.. هل يتفق ذلك مع إرجاعه للإمام (عليه السلام) عن صلاة العيد مرتين، لمجرد أنه جاءه من ينذره بأن الخلافة سوف تكون في خطر، لو أن الإمام (عليه السلام) وصل إلى المصلى؟!.. حتى لقد خرج هو بنفسه مسرعاً، وصلى بالناس، رغم تظاهره بالمرض، ورغم زعمه، أنه: كان يريد من الإمام أن يصلي بالناس، من أجل أن تطمئن قلوبهم على دولته المباركة ـ على حد تعبيره ـ بسبب مشاركة الإمام (عليه السلام) في ذلك..

وأيضاً.. هل يتفق عرضه الخلافة على الإمام، وتنازله عنها له، ثم توليته العهد، وبكاؤه عليه حين وفاته، وبقاؤه على قبره ثلاثة أيام، حسبما سيأتي بيانه.. هل يتفق كل ذلك، مع كتابته لعامله على
الصفحة 288
مصر: يأمره بغسل المنابر التي دعي عليها للإمام (عليه السلام)، فغسلت؟!(1).

وبعد.. وإذا كان الإمام (عليه السلام) حجة الله على خلقه، وأعلم أهل الأرض على حد تعبير المأمون، فلماذا يفرض عليه نظرية لا يراها مناسبة، ويتهدده، ويتوعده على عدم قبولها، والأخذ بها؟!.

وأخيراً.. هل يتفق ذلك كله، مع ما أشرنا، ولسوف نشير إليه، من ذلك السلوك اللاإنساني مع الإمام (عليه السلام)، قبل البيعة، وبعدها، في حياة الإمام، وحين وفاته، وبعدها.. وكذلك سلوكه مع العلويين.

وإخوة الإمام الرضا (عليه السلام) بالذات، ذلك السلوك الذي يترفع حتى الأعداء عن انتهاجه، والالتزام به، إلى آخر ما هنالك مما عرفت، وستعرف جانباً منه في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى..

المأمون يرتبك في تبريراته:

ولعل من الأمور الجديرة بالملاحظة هنا: هو أن المأمون لم يكن قد حسب حساباً للأسئلة التي سوف تواجهه في هذا الصدد، ولذا نرى أنه كان مرتبكاً جداً في تبريراته لما أقدم عليه، فهو تارة يعلل ذلك بأنه:

____________

(1) ولا منافاة بينهما في نظر المأمون، فإنه لم يكن يخشى من ردة الفعل في مصر، لأنها بالإضافة إلى بعدها، لم تكن من المناطق الحساسة في الدولة، ولم تكن أيضاً شديدة التعاطف مع العلويين، فهي إذن مأمونة الجانب.. وما كان يخشى منه قد أمنه، بتظاهره أمام الملأ بالحزن الشديد على الإمام (عليه السلام)، حيث يكون بذلك قد طمأنهم، وأبعد التهمة عن نفسه في المنطقة التي يخشى منها في الوقت الحاضر.. وإلى أن تصل أخبار مصر إلى هذه المناطق الحساسة، فإنه يكون قد تجاوز المرحلة الخطيرة، ولم يعد يخشى شيئاً على الإطلاق..

الصفحة 289
أراد مكافأة علي بن أبي طالب في ولده!(1).

وأخرى: بأن ذلك كان منه حرصا على طاعة الله، وطلب مرضاته، ولما يعلمه من فضل الرضا، وعلمه، وتقاه. وأنه أراد بذلك الخير للأمة. ومصلحة المسلمين!(2).

وثالثة: بأنه أراد أن يفي بنذره: أنه إن أظفره الله بالمخلوع ـ يعني أخاه الأمين الذي قتله ـ أن يجعل ولاية العهد في أفضل آل أبي طالب!(3).

بل ورابعة: بأنه أراد أن يجعله ولي عهده، ليكون دعاؤه له، وليعتقد فيه المفتونون به إلخ(4).. ما سيأتي تفصيله.

مع تبريرات المأمون تلك:

ومن الواضح أن تلك العلل والتبريرات وسواها، مما كان يتعلل

____________

(1) الفخري في الآداب السلطانية ص 219، والبحار ج 49 ص 312، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 308، والتذكرة لابن الجوزي ص 356، ونقل أيضاً: عن شذرات الذهب، لابن العماد، وغير ذلك..

(2) صرح بذلك وفي وثيقة العهد، وفي الفخري في الآداب السلطانية ص 217، قال: «كان المأمون قد فكر في حال الخلافة بعده، وأراد أن يجعلها في رجل يصلح لها، كذا زعم..».

وفي البداية والنهاية ج 10 ص 247 قال: «إن المأمون رأى علياً الرضا خير أهل البيت، وليس في بني العباس مثله، في علمه، ودينه، فجعله ولي عهده من بعده». ومثل ذلك كثير..

(3) الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص 241، ومقاتل الطالبيين ص 563، وإعلام الورى ص 320، والبحار ج 49، ص 143، 145، وأعيان الشيعة ج 4 قسم 2 ص 112، وعيون أخبار الرضا، وإرشاد المفيد، وغير ذلك.

(4) لكن هذا الكلام لم يكن إلا لخصوص العباسيين، كما عرفت وستعرف!!.

https://ahlalbayt12.7olm.org

Admin


Admin

به المأمون، كانت مفتعلة قبل أوان نضجها، ولعله لما أشرنا إليه من أنه لم يكن قد حسب حساباً لهذه الأسئلة التي واجهته، فكانت أجوبته متناقضة، متضادة، من موقف لآخر، ومن وقت لآخر.. حتى أن التناقض يبدو في التبرير الواحد، إذ تراه مرة يقول: «إنه نذر أن يجعل الخلافة في ولد علي». وأخرى يقول: «إنه نذر أن يجعل ولاية العهد فيهم». وثالثة: يضيف إليهم آل العباس. وهكذا.
ولولا خوف الناس منه، ومن بطشه لوجدنا الكثيرين يسألونه: إنه إذا صح: أنه نذر الخلافة لولد علي، فلماذا قبل منه واكتفى بولاية العهد؟!، إذ قد كان عليه أن يجبره على قبول الخلافة، كما أجبره على قبول ولاية العهد.. وإذا صح أنه نذر له ولاية العهد، فلماذا عرض عليه الخلافة، وأصر عليه بقبولها.

وإننا وإن لم نجد لهذه الأسئلة، وسواها أثراً فيما بأيدينا من كتب التاريخ. إلا أننا رأينا الشواهد الكثيرة الدالة على أن الناس كانوا يشكون كثيراً في نوايا المأمون وأهدافه مما أقدم عليه.

وحسبنا هنا: ما رواه لنا الصولي، والقفطي، وغيرهما من قضية عبد الله بن أبي سهل النوبختي المنجم، حيث أراد اختبار ما في نفس المأمون، فأخبره أن وقت البيعة للإمام (عليه السلام) كان غير صالح، فأصر المأمون على إيقاع البيعة في ذلك الوقت، وتهدده بالقتل إن حدث تغيير في الوقت والموعد، وقد تقدمت القصة بكاملها تقريباً في فصل سابق، وقد ذهب إلى ذكره غير واحد من المؤلفين(1).

____________

(1) تاريخ الحكماء 222، 223، وفرج المهموم في تاريخ علماء النجوم ص 142، وأعيان الشيعة ج 4 قسم 2 ص 114. والبحار ج 49، ص 132، 133، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 147، 148، وغير ذلك..

الصفحة 291
الإمام يدرك أهداف المأمون من عرض الخلافة:

ولعلنا نستطيع أن نجد فيما قدمناه في هذا الكتاب ما يفسر لنا موقف الإمام (عليه السلام) من المأمون.. ذلك الموقف الذي لم يكن يتسم بالمهادنة، أو الموافقة أصلاً. بل كان قاسياً وعنيفاً في مقابل عرض المأمون للخلافة عليه، كما ألمحنا إليه في باب: «عرض الخلافة، ورفض الإمام».

وما ذلك.. إلا لأنه كان يعلم أنها لعبة خطيرة، تحمل في طياتها الكثير من المشاكل والأخطار، سواء بالنسبة إليه (عليه السلام)، أو بالنسبة إلى العلويين، أو بالنسبة إلى الأمة بأسرها..

ولقد كان (عليه السلام) يدرك: أن المأمون كان يرمي من وراء هذا العرض إلى أن يعرض حقيقة نوايا الإمام (عليه السلام)، ويستظهر دخيلة نفسه، حتى إذا ما رآه راغبا فيها رغبة حقيقية، سقاه الكأس، التي سقاها من قبل لمحمد بن محمد بن يحيى بن زيد، صاحب أبي السرايا، ومن بعد لمحمد بن جعفر، وطاهر بن الحسين، وغيرهم، وغيرهم.. وإنه كان يريد أن يجعل ذلك ذريعة لفرض ولاية العهد، وتمهيدا لإجباره على قبولها، لأن ما يحقق له مآربه، ويوصله إلى غاياته، التي تحدثنا عن جانب منها في فصل: ظروف البيعة.. هو قبول الإمام لولاية العهد، لا الخلافة.. كما أن هذا هو الذي يمكن أن يكون ممهدا لتنفيذ الجزء التالي من خطته، ألا وهو القضاء على العلويين بالقضاء على أعظم شخصية فيهم.

ومن ثم.. وبعد كل ما تقدم.. تكون النتيجة هي: أن المأمون لم يكن جاداً في عرضه للخلافة، وإنما فقط كان جاداً في عرضه لولاية العهد.

الصفحة 292
ويبقى هنا سؤال:

«لو أن الإمام قبل عرض الخلافة، فماذا ترى سوف يكون موقف المأمون؟!».

الجواب:

أولاً: وقد يمكن الاقتناع بالجواب هنا لو قيل: بديهي أن المأمون كان قد أعد العدة لأي احتمال من هذا النوع..

وقد كان يعلم أنه يستحيل على الإمام، خصوصاً في تلك الظروف: أن يقبل عرض الخلافة، من دون إعداد مسبق لها، وتعبئة شاملة لجميع القوى، وفي مختلف المجالات، ولسوف يكون قبوله لها بدون ذلك عملاً انتحارياً، لا مبرر له، ولا منطق يساعده.

إذ من البديهي أن الإمام الذي كان يعلم كم كان للقائد الحقيقي، والمصلح الواعي، من أثر في حياة الأمة، وفي مستقبلها، وكيف يمكن أن تتحد في ظله قدرات الأمة ـ أفراداً وجماعات ـ وإمكاناتها المادية، والفكرية وغيرها في طريق صلاحها، وإصلاحها..

ويعلم أيضاً: كيف يكون الحال، لو كان القائد فاسداً، حتى بالنسبة لما يبدو من تصرفاته في ظاهره صحيحاً وسليماً..

إن الإمام الذي كان يعلم ذلك وسواه ـ وبصفته القائد الحقيقي للأمة، لو حكم، فلا بد له أن يقيم دولة الحق والعدل، ويحمل الناس على المحجة، ويحكم بما أنزل الله، كما حكم جده محمد (صلى الله عليه وآله)، وأبوه علي (عليه السلام) من قبل.. وحكمه هذا سوف يكون مرفوضاً جملة وتفصيلاً، لأن الناس، وإن كانوا عاطفياً مع أهل البيت (عليهم السلام)، إلا أنهم حيث لم يتربوا تربية إسلامية صحيحة، وصالحة، إذا أراد العلويون، أو غيرهم حملهم على المحجة، فلسوف لا ينقادون لهم بسهولة، ولا يطيعونهم بيسر، ولسوف يكون الحكم بما أنزل الله غريبا على أمة اعتادت
الصفحة 293
على حياة خلفاء بني العباس، ومن قبلهم بني أمية المليئة بالانحرافات والموبقات.

أولئك الخلفاء الذين كانوا في طليعة المستهترين، والمتحللين من كل قيود الدين والإنسانية، والذين كانوا يتساهلون في كل شيء، ما دام لا يضر بوجودهم في الحكم..

نعم.. في كل شيء على الإطلاق، حتى في الدين وأحكامه، والأخلاق، والمثل العليا، وما ذلك إلا لأنهم لم يكن همهم إلا الحكم، والتسلط، وامتصاص دماء الشعوب، ولا يهمهم ـ بعد ـ أن يفعل الناس ما شاءوا. ليتستروا بالدين، ليكفروا بالله، ليتحللوا من الأخلاق والفضائل الإنسانية، ليأكل بعضهم بعضاً، ليكونوا أنعاماً سائمة، أو ليكونوا وحوشاً ضارية، فإن ذلك كله لا يضر.

والذي يضر فقط هو: أن يتعرضوا للحكم، ويفكروا بالسلطان، كيفما كان التعرض، وأياً كان التفكير. وإذا كان الإمام علي (عليه السلام) عندما أراد أن يحكم بما أنزل الله تعالى، قد لاقى ما لاقى مما لا يجهله أحد.. رغم ما سمعته الأمة من فم النبي (صلى الله عليه وآله) مباشرة في حقه، وقرب عهدها به. فكيف بعد أن مرت عشرات السنين، وأصبح الانحراف عادة جارية، وسنة متبعة، واتخذ نحواً من الأصالة في حياة الأمة، وروحها، وأصبح ـ للأسف ـ جزءاً لا يتجزأ من كيانها وواقعها..

وأيضاً.. إذا كان أبو مسلم قد قتل ست مئة ألف نفس صبراً، عدا مئات الألوف الأخرى، التي ذهبت طعمة للسيوف في المعارك.

وإذا كانت ثورة أبي السرايا قد كلفت المأمون «200» ألف جندي، من جنوده هو.. وإذا كان العصيان ما انفك يظهر من كل جانب ومكان، رغم أن
الصفحة 294
الحكم كان أولاً وآخراً مع أهواء الناس، ومصالحهم الشخصية..

فهل يمكن مع هذا.. أن لا يتعرض الإمام (عليه السلام) لعصيان أصحاب الأهواء ـ وما أكثرهم ـ والكيد من قبل الأعداء، الذين سوف يزيد عددهم، وتتضاعف قوتهم. عندما يحاول الإمام (عليه السلام) أن يفرض عليهم حكماً ما اعتادوه، وسلوكاً ما ألفوه؟!..

إن من الواضح: أن الناس وإن كانت قلوبهم معه، إلا أن سيوفهم سوف تنقلب لتصير عليه، كما انقلبت على آبائه وأجداده من قبل، وذلك عندما لا ينسجم حكمه (عليه السلام) مع رغائبهم. وأهوائهم، وانحرافاتهم. حيث إن الإمام (عليه السلام) إذا أراد أن يحكم، فلسوف يواجه ـ بطبيعة الحال ـ تلك العناصر القوية، ذات النفوذ، وأولئك المستأثرين بكل الأموال والأقطاع، من أصحاب الأطماع، والمصالح الشخصية، وجهاً لوجه.. إذ أننا لا يمكن أن ننتظر من حكومة الإمام، التي هي على الفرض حكومة الحق، والعدل: أن تقرهم على ما هم عليه، فضلاً عن أن توفر لهم الحماية لتصرفاتهم المشبوهة، وغير المنطقية، بل حتى ولا الأخلاقية أيضاً. إن حكومة الإمام (عليه السلام)، إذا أرادت أن تقوم بعمل أساسي في سبيل استئصال كل جذور الانحراف والفساد.. فإن عليها أولاً، وقبل كل شيء، أن تقوم بقطع أيدي أولئك الغاصبين لأموال الأمة، والمتحكمين بمقدراتها. وإبعاد كل أولئك الذين كانوا يستغلون مناصبهم، التي وصلوا إليها عن طريق الظلم، والغطرسة، والابتزاز ـ يستغلونها ـ لمآربهم الشخصية، وانحرافاتهم اللاأخلاقية. ثم. قطع أعطيات ذلك الفريق من الناس، الذين كانوا يعيشون على حساب الأمة، ويأكلون خيراتها. ثم لا يقومون في مقابل ذلك بأي عمل، أو نشاط يذكر.

الصفحة 295
وأيضاً.. منع المحسوبيات، والوساطات، من أصحاب الوجاهات، الذين كانت تسيرهم الروح القبلية، ويهيمن عليهم الشعور الطبقي في دولة الأطماع والمزايدات، أو دولة التهديد، والعسف، والإرهاب.

يضاف إلى ذلك كله.. أنه إذا أراد الإمام (عليه السلام) أن ينطلق في كل نصب وعزل من مصلحة الأمة، لا من مصلحة الحاكم والقبيلة، فطبيعي أن يؤدي ذلك إلى إثارة القبائل ضده، ويؤلبهم عليه.. فزعماء القبائل سواء كانوا عرباً أو فرساً كانوا يلعبون دوراً هاماً في إنجاح أية ثورة وقيام أية دعوة واستمرار ونجاح أي حكم.

وبعد كل ذلك، فإن من الطبيعي إذن: أن يستفحل الصراع بينه، وبين العناصر القوية، ذات النفوذ، من أصحاب الأهواء، والمصالح الشخصية، وأولئك الذين يعتمل في نفوسهم طموح كبير، نحو زبارج الدنيا، وبهارجها. وذلك عندما يعطي القيمة الحقيقية لهؤلاء جميعاً، ويجعلهم في المستوى الذي يجب أن يكونوا فيه، ويحدد ويقيِّم لهم واقعهم الذي لن يرضوا أبداً بتحديده وتقييمه. وعلى الأقل لن تساعده تلك العناصر على تصحيح الوضع، وإقرار النظام.. هذا إن لم تكن هي العقبة الكأداء، التي تحول بينه وبين ما يصبو إليه، وتمنعه من تحقيق ما يريد..

يضاف إلى ذلك كله: أن القيادة القبلية كانت قد فسدت آنذاك، واعتاد رؤساء القبائل على نكث العهود والمواثيق التي يعطونها، فكانوا يؤيدون هذه الدعوة، وهذا القائم بها، إلى أن يجدوا من يستفيدون منه، ويغدق عليهم أكثر من الأموال، ويخصهم بما يفضل ما يخصهم به ذاك من المناصب. وكان للقيادات القبلية دور كبير في إنجاح أية دعوة، وانتصار أية ثورة..

وبعد.. فإنه إذا كان الإمام (عليه السلام) لن يحابي أحداً على حساب دينه ورسالته.. وإذا كان ـ من الجهة الأخرى ـ مركزه ضعيفاً في الحكم. وإذا كان ليس لديه القوة والقدرة الكافية لمواجهة مسؤولياته كاملة.

الصفحة 296
فلسوف ينهار حكمه وسلطانه أمام أول عاصفة تواجهه، ولن يستطيع أن يبقى محتفظاً بوجوده في الحكم، أو على الأقل بمركز يخوله أن يفرض الحكم الذي يريد على المجتمع، بجميع فئاته، ومختلف طبقاته.

إلا أن يكون حاكماً مطلقاً، لا تحد سلطته حدود، ولا تقيدها قيود، وأنى له بذلك.

وبعد كل ما تقدم، فإن النتيجة تكون، أن الإمام (عليه السلام)، وإن كان يمتلك القدرة على الاصلاح، لكن الأمة لم تكن لتتحمل مثل هذا الإصلاح، خصوصاً وأن الحكام ـ بوحي من مصالحهم الخاصة ـ كانوا قد أدخلوا في أذهان الناس صوراً خاطئة عن الحكم، وعن الحكام، الذين يفترض فيهم أن يقودوا الأمة في مسيرها إلى مصيرها.

هذا كله.. لو فرض ـ جدلاً ـ سكوت العباسيين والمأمون عنه، مع أن من المؤكد أنهم سوف يعملون بكل ما لديهم من قوة وحول، من أجل تقويض حكمه، وزعزعة سلطانه.

وإذا كان يستحيل على الإمام (عليه السلام)، في تلك الفترة على الأقل: أن يتسلم زمام السلطة إلا أن يكون حاكماً مطلقاً كما قدمنا. فمن الواضح أن سؤالاً من هذا النوع لا مجال له بعد. ولن يكون في تجشم الإجابة عليه كبير فائدة، أو جليل أثر.

ولكن.. مع ذلك، وحتى لا نفرض على القارئ وجهة نظر معينة، إذ قد يرى أن من حقه أن يفترض ـ وإن أبى واقع الأحداث مثل هذا الافتراض ـ أنه كان على الإمام (عليه السلام): أن يجاري، ويداري في بادئ الأمر، من أجل الوصول إلى أهداف فيها خير الأمة ومصلحتها، من أجل ذلك.. نرى لزاماً علينا أن نجاريه في هذا الافتراض، ونتجه إلى الإجابة على ذلك السؤال بنحو آخر، فنقول:

وثانياً: إنه إذا كان المأمون في تلك الفترة هو الذي يمتلك القدرة والسلطان.. وإذا كانت كل أسباب القوة والمنعة متوفرة لديه بالفعل،
الصفحة 297
فإنه سوف يسهل عليه ـ إذا لم يكن حكم الإمام (عليه السلام) على وفق ما يشتهي، وحسبما يريد ـ: أن يأخذ على ذلك الحكم: [الذي يرى نفسه، ويرى الناس أنه مدين للمأمون] أقطار الأرض، وآفاق السماء. ولن يصعب عليه تصفيته، والتخلص منه من أهون سبيل، حيث إنه حكم لا يزال، ولسوف يسعى المأمون لأن يبقيه في المهد، يستطيع المأمون أن ينزل به الضربة القاصمة القاضية متى شاء، دون أن تعطى له الفرصة لحشد قدراته، وتجميع قواه في أي من الظروف والأحوال.

وهكذا.. فإن النتيجة تكون: أن الإمام (عليه السلام) سوف يكون بين خيارين لا ثالث لهما: فإما أن يحاول تحمل المسؤولية الحقيقية، بكل أبعادها، وتبعاتها، باعتباره القائد الحقيقي للأمة، ويقدم على كل ما تقدمت الإشارة إليه من إصلاحات جذرية في جميع المجالات، وعلى مختلف المستويات، مما سوف يكون من نتائجه أن يعرض نفسه للهلاك، حيث لا يستطيع الناس، والمأمون وأشياعه تحمل ذلك، والصبر عليه، ويكون له ولهم كل العذر في تصفيته، والتخلص منه.

وإما أن لا يتحمل مسؤولية الحكم، ولا يأخذ على عاتقه قيادة الأمة، وإنما تكون مهمته، وما يأخذه على عاتقه هو فقط تنفيذ إرادات المأمون، وأشياعه من المنحرفين. ويكون هو الواجهة التي يختفي وراءها الحكام الحقيقيون، المأمون ومن لف لفه..

وواضح: أن نتيجة ذلك سوف تكون أعظم خطراً على الإمام، وعلى العلويين، وعلى الأمة بأسرها، وأشد فداحة من نتيجة الخيار السابق، حيث يكون قد قضى بذلك على كل آمال الأمة، وكل توقعاتها. وذلك هو كل ما يريده المأمون، ويسعى من أجل الحصول عليه، بكل ما أوتي من قوة وحول.

وثالثاً: إن من الواضح: أن عرض المأمون التنازل عن الخلافة للإمام (عليه السلام)، لا يعني أبداً أن المأمون سوف لا يحتفظ لنفسه بأي من
الصفحة 298
الامتيازات، التي تضمن له ـ في نظره ـ نصيباً من الأمر(1). ولسوف يرى الناس كلهم أن له كل الحق في ذلك.

كما أن ذلك لا يعني أنه سوف لا يعود له نفوذ في الأوساط ذات النفوذ والقوة. بل إنني أعتقد أنه سوف يكون في تلك الحال أقوى بكثير منه في غيرها، حتى أن المنصب للإمام (عليه السلام)، قد يكون شكلياً، ومركزه صورياً، لا حول له فيه ولا قوة.

وحينئذٍ.. وإذا كان المأمون سوف يبقى له نفوذ وقوة، وإذا كان سوف يشترط لتنازله عن الخلافة للإمام، ما يضمن له استمرار تلك القوة، وذلك النفوذ، بل وعودة الخلافة له في نهاية الأمر. فلسوف لا يصعب عليه كثيراً أن يدبر ـ وهو الداهية الدهياء ـ في الإمام (عليه السلام) بما يحسم عنه مواد بلائه، على حد تعبير المأمون.

وليطمئن ـ من ثم ـ خاطره، ويهدأ باله، حيث يكون قد حقق كل ما كان يصبو ويطمح إلى تحقيقه. كما أنه يكون قد أصبح يمتلك اعترافاً من العلويين بشرعية خلافته.. بل يكون العلويون على يد أعظم شخصية فيهم، هم الذين رفعوه على العرش وسلموا إليه أزمة الحكم والسلطان..

إلى آخر ما هنالك مما قدمناه، ولا نرى ضرورة لإعادته.

وفي النهاية:

والآن.. وبعد أن ألقينا نظرة سريعة على مدى جدية المأمون، في عرضه للخلافة على الإمام (عليه السلام)، وتحدثنا عن الوضع الذي سوف ينتج لو أن الإمام قبل ذلك العرض.. فإن من الطبيعي أن نتطلع لنعرف ما هو موقف الإمام من تلك اللعبة ـ لعبة ولاية العهد ـ وما هي خطته في مواجهة ما يعلمه من خطط المأمون، وأهدافه الشريرة.

فإلى الفصل التالي، والذي بعده..

____________

(1) كأن يشترط أن يكون هو الوزير، أو ولي العهد مثلاً.

الصفحة 299

موقف الإمام (عليه السلام)

سؤال يطرح نفسه:

هل يعقل أن رجلاً تعرض عليه الخلافة، أو ولاية العهد، بل ما هو أقل منهما بمراتب، ويعرف جدية العرض، ثم يرفض ذلك رفضاً قاطعاً، ثم يهدد، فلا يقبل إلا بما هو أبعد منالا، وأقل احتمالاً ـ بالنسبة إلى سنه ـ وبشروط تبعده كل البعد عن مسرح السياسة والحكم، وتجعل من كل شيء مجرد إجراءات شكلية، لا أثر لها.

هل يعقل أن رجلاً من هذا القبيل ـ يسلم من أن ينسب إلى ما لا يرضى أحد بأن ينسب إليه؟!. اللهم إلا إذا كان هناك ما هو أعظم، وأدهى وأخطر من ذلك المنصب، وإلا إذا علم أنه سوف يدفع ثمن ذلك غالياً، وغالياً جداً، ألا وهو نفسه التي بين جنبيه!.

والإمام. الذي نعرف، ويعرف كل أحد: أنه ذلك الرجل الجامع لكن صفات الفضل والكمال: من العلم، والعقل، والحكمة، والدراية، والتقى، شهد له بذلك أعداؤه ومحبوه، على حد سواء ـ هذا الإمام. قد رفض كلا عرضي المأمون: الخلافة، وولاية العهد.. رفضهما رفضاً
الصفحة 300
باتاً وقاطعاً، ولم يقبل ولاية العهد إلا على كره وإجبار منه، وإلا وهو باك حزين، وعاش بعد ذلك في ضيق شديد، ومحنة عظيمة، حتى إنه كان يدعو الله بالفرج بالموت!.

وعليه.. أفلا يكفي موقف الإمام هذا، وسائر مواقفه من مختلف تصرفات المأمون، لأن يضع علامة استفهام كبيرة حول طبيعية هذا الحدث؟!.

ألم يكن من الواجب أن يكون الإمام (عليه السلام) مستبشراً مبتهجاً كل الابتهاج لما سيؤول إليه أمره. ومدافعاً عن المأمون، ونظام حكمه، ومناصراً له، بكل ما أوتي من قوة وحول؟!.

ثم ألا يفهم من ذلك كله: أنه (عليه السلام) كان يدرك ما يكمن وراء قبوله لأي من العرضين من مشاكل، وما ينتظره من أخطار؟!.

وأن ذلك ليس إلا شركاً يقصد إيقاعه به، ومن بعده كل العلويين وشيعتهم، للقضاء عليه وعليهم، وإلى الأبد!!.

وإذا كان الإمام (عليه السلام) يعرف الحقيقة.. فهل يمكن أن نتصور أن يكون راضيا بأن يجعله المأمون وسيلة لأغراضه، وآلة لتحقيق مآربه وأهدافه!!. سيما إذا لاحظنا أنه يعرف أكثر من أي إنسان آخر ما لتلك اللعبة من عواقب سيئة، وما تحمله في طياتها من آثار، ليس عليه هو، وعلى العلويين، والمتشيعين لهم فحسب. وإنما على الأمة بأسرها إن حاضراً، وإن مستقبلاً!؟.

هذا كله عدا عن أن هذه اللعبة سوف تكون بمثابة قطع الطريق عليه في أي تحرك يقوم به، وأي نشاط إصلاحي يمارسه، حيث لم يعد
الصفحة 301
يستطيع أن يكون في المستقبل قائداً للحركة المضادة للمأمون، ونظام حكمه، القائم على غير أساس شرعي، ومنطقي سليم(1).

لا يرضى الإمام (عليه السلام)، ولا يقتنع المأمون:

لا.. لا يمكن أن يرضى الإمام بذلك، وخصوصاً بعد أن تلقى العلم عن آبائه الصادقين، عن النبي (صلى الله عليه وآله) الذي لا ينطق عن الهوى: بأن ذلك شيء لا يتم، وأوضح ذلك بما كتبه على وثيقة العهد الآتية بخط يده، حيث قال: «والجفر والجامعة يدلان على ضد ذلك، لكنني امتثلت أمر أمير المؤمنين.».

لا.. لا يمكن أن يرضى ببيعة يعلم أنها لا تتم له، وإنما تخدم مصالح آخرين. وتحقق لهم مأربهم، على حساب الدين، والأمة، ولهذا رفض بشدة وعنف، وأصر عليه المأمون بشدة وعنف أيضاً. ولم يكن ليقنع المأمون شيء، بعد أن كان يرى أن القضية بالنسبة إليه قضية مصير ومستقبل، وهو مستعد لأن يضحي بكل شيء في سبيل مصيره ومستقبله، كما ضحى بأخيه وأشياعه من قبل.

وإنه إذا تأكد لديه رفض الإمام (عليه السلام) القاطع، وتصور ما سوف تؤول إليه حاله نتيجة لذلك الرفض، فلسوف لا يألو جهداً، ولا يدخر

____________

(1) وفي كتاب: الإمامة للشيخ محمد حسن آل ياسين ص 86، قال إنه (عليه السلام) وافق على فكرة ولاية العهد، لتكون فترة امتحان وتجربة للمأمون. ولا يخفى ما فيه، فإن كل الدلائل والشواهد كانت تشير إلى أن الإمام (عليه السلام) كان يعلم بحقيقة نوايا المأمون وأهدافه، ولم تكن ثمة حاجة إلى امتحان وتجربة، كما اتضح وسيتضح إن شاء الله تعالى.

الصفحة 302
وسعاً في الانتقام لنفسه من الإمام (عليه السلام)، ومن كل من تصل إليه يده، ممن له به (عليه السلام) أية صلة أو رابطة.

هي قضية مصير:

وبأوضح بيان نقول: إنه لم يكن امتناع الإمام (عليه السلام) عن قبول ولاية العهد بالذي يثني المأمون عما كان قد عقد العزم عليه، لأن الأسباب التي كانت تدعوه لذلك لم تكن تسمح له أبداً بالإصغاء لهذا الرفض، فهي تحتم عليه أن يفعل ذلك، مهما كلفه الأمر، ومهما كانت النتائج، ولم يكن لديه مانع من تنفيذ تهديداته، ولو علم أنه لا سبيل إلى تنفيذ ما يصبو إليه، والحصول على ما يريد الحصول عليه، والقضية بالنسبة إليه هو المتعطش إلى الحكم والسلطة قضية مصير ومستقبل، لا يمكن المساومة معها، ولا مجال لغض النظر والتساهل فيها..

وإذا كان قد قتل أخاه من أجل الملك وفي سبيله، فأي مانع يمنعه من قتل الرضا (عليه السلام) من أجل الملك أيضاً، وفي سبيله.. أم يعقل أن يكون الرضا أعز عليه من أخيه، وسائر من قتل من وزرائه هو، وقواده، وأشياعه؟!؟.

ولسوف لا نستغرب على المأمون ـ بعد قتله أخاه ـ الإقدام على أي تصرف في سبيل الملك، حتى الإقدام على قتل الرضا (عليه السلام)، بعد أن كان أبوه الرشيد قد أملى عليه درس، «الملك عقيم»، وقال له: «والله، لو نازعتني أنت هذا الأمر، لأخذت الذي فيه عيناك، فإن الملك عقيم..»(1).

____________

(1) شرح ميمية أبي فراس ص 73، والبحار ج 48 ص 131، وقاموس الرجال ج 10 صرح 370، وعيون أخبار الرضا ج 1 ص 91، وينابيع المودة ص 383، مع بعض تحريف لها، وغير ذلك..

الصفحة 303
ولم يكن ليخفى عليه أيضاً قول موسى بن عيسى، عندما رأى عبادة الحسين بن علي وأصحابه، في وقعة فخ: «.. هم والله، أكرم عند الله، وأحق بما في أيدينا منا، ولكن الملك عقيم. ولو أن صاحب هذا القبر [يعني النبي (صلى الله عليه وآله)]، نازعنا الملك ضربنا خيشومه بالسيف.»(1).

والمنصور أيضاً قد قرر هذه القاعدة بالذات حينما اعترض عليه سليمان بن مهران، وهذا الدرس قد أخذه الكل عن عبد الملك بن مروان، فإنه عندما قتل مصعب بن الزبير بكى، وقال: «لقد كان أحب الناس إلي، وأشدهم مودة لي، ولكن الملك عقيم، ليس أحد يريده من ولد ولا والد إلا كان السيف»(2).

بل وحتى نفس أخيه الأمين، عندما لم يعد له نجاة من براثن أخيه المأمون، نراه يتذكر هذه القاعدة، فيقول: «هيهات، الملك عقيم، لا رحم له..»(3).

ولقد عمل المأمون بهذه القاعدة، فقتل أخاه، وأعطى الذي جاءه برأسه مليون درهم. بعد أن سجد شكراً لله، ونصب الرأس على خشبة ليلعنه الناس، إلى آخر ما مر تفصيله..

وإذا كانت القضية بالنسبة إلى المأمون قضية مصير ومستقبل وقضية ملك وسلطان، فطبيعي إذن أن نراه يخاطر بالخلافة [وإن كنا قدمنا أن ذلك كان منه سياسة ودهاء من أجل التمهيد لفرض ولاية العهد]، وأقدم على التخلي عن ولاية العهد، مع أن العباس ابنه وسائر ولده

____________

(1) مقاتل الطالبيين ص 453، وثمرات الأعواد 199، 200، وشرح ميمية أبي فراس ص 74.

(2) شرح النهج للمعتزلي ج 3 ص 296، وطبقات ابن سعد ج 5 ص 168، والبداية والنهاية ج 8 ص 316.

(3) تتمة المنتهى ص 185.

الصفحة 304
كانوا أحب إلى قلبه، وأجلى في عينه من كل أحد، على حد تعبيره في رسالته للعباسيين.

ولقد قدمنا الشرح الكافي والوافي لحقيقة الظروف والأسباب، التي دعت المأمون إلى ذلك، والتي هي دون شك كافية لأن تجعل المأمون يقدم على أي عمل ـ ولو كان انتحاريا ـ من أجل إنقاذ نفسه وخلافته، والعباسيين.. حتى ولو كان ذلك الشيء هو قتل الإمام (عليه السلام).. ولقد أخبر الإمام كرات، ومرات: أنه لم يقبل إلا بعد أن أشرف من المأمون على الهلاك.

مبررات قبول الإمام لولاية العهد:

ولقد قبل الإمام (عليه السلام) ولاية العهد. ولكن.. بعد أن عرف أن ثمن رفضه لها لن يكون غير نفسه التي بين جنبيه. هذا عدا عما سوف يتبع ذلك من تعرض العلويين، وكل من يتشيع لهم إلى أخطار هم في غنى عنها.. ولو فرض أنه كان له هو (عليه السلام) الحق ـ في مثل هذه الظروف ـ في أن يعرض نفسه للهلاك، فلن يكون له حق أبداً في أن يعرض غيره من شيعته ومحبيه، والعلويين أجمع إلى الهلاك أيضاً..

هذا.. عدا عن أنه (عليه السلام) كان عليه أن يحتفظ بحياته، وحياة شيعته ومحبيه، لأن الأمة كانت بأمس الحاجة إلى وعيهم وإدراكهم، ليكونوا لها قدوة ومناراً، تهتدي، وتقتدي به، في حالكات المشاكل، وظلم الشبهات.

نعم.. لقد كانت الأمة بأمس الحاجة إلى الإمام (عليه السلام)، وإلى من رباهم الإمام، حيث كان قد غزاها في ذلك الوقت تيار فكري، وثقافي غريب، من الزندقة والإلحاد، وشاعت فيها الفلسفات والتشكيكات
الصفحة 305
بالمبادئ الإلهية الحقة، فكان على الإمام (عليه السلام) أن يقف. ويقوم بواجبه، وينقذ الأمة، ولقد كان ذلك منه بالفعل، فلقد قام بواجبه، وأدى ما عليه، على أكمل وجه، رغم قصر المدة التي عاشها بعد البيعة نسبياً، ولهذا نقرأ في الزيارة الجوادية، «.. السلام على من كسرت له وسادة والده أمير المؤمنين، حتى خصم أهل الكتب، وثبت قواعد الدين..»(1).

والمراد بذلك: الإمام الرضا (عليه السلام).

ولو أنه (عليه السلام) رفض ولاية العهد، وعرض نفسه، وشيعته، ومحبيه للهلاك فلسوف لا يكون لموته، وموتهم أدنى أثر في هذا السبيل، بل كان الأثر عكسياً، وخطيراً جداً..

أضف إلى ذلك: أن قبول الإمام بولاية العهد، معناه اعتراف من العباسيين عملاً، مضافاً إلى القول: بأن العلويين لهم حق في هذا الأمر، بل إنهم هم الأحق فيه، وأن الناس قد ظلموهم حقهم هذا. وأن ظلم الناس لهم ليس معناه عدم ثبوت ذلك الحق لهم.

وقد رأينا ابن المعتز يهتم في الاستدلال على أن جعل المأمون الرضا ولياً للعهد، لا يعني أن الحق في الخلافة كان للرضا والعلويين، دون المأمون والعباسيين. وأنه إنما أعطاهم عن طريق التقوى والورع، وليثبت لهم أن الخلافة التي ثاروا من أجل الوصول إليها وقتلوا أنفسهم في سبيلها لا تساوي عنده جناح بعوضه، فهو يقول:


وأعطاكم المأمون حق خلافة لنا حقها لكنه جاد بالدنيــــــا
ليعلمكم أن الذي قد حرصتم عليها وغودرتم على أثرها صرعى


____________

(1) البحار ج 102 ص 53.

الصفحة 306

يسير عليه فقدها غير مكثـــر كما ينبغي للصالحين ذوي التقوى
فمات الرضا من بعد ما قد علمتم ولاذت بنا من بعده مرة أخرى(1)


وأيضاً.. حتى لا يتناساهم الناس، ويقطعوا آمالهم بهم، وحتى لا يصدق الناس ما يشاع عنهم من أنهم مجرد علماء فقهاء، لا يهمهم العمل لما فيه خير الأمة، ولا يفكرون في الخروج إلى المجتمع بصفتهم رواد صلاح وإصلاح ولعل إلى ذلك كله، يشير الإمام (عليه السلام) في قوله لمحمد ابن عرفة، عندما سأله عن قبوله بولاية العهد، فقال له: «يا ابن رسول الله، ما حملك على الدخول في ولاية العهد؟!».. فأجابه الإمام (عليه السلام): «ما حمل جدي على الدخول في الشورى..»(2).

هذا بالإضافة إلى أنه يكون في فترة ولاية العهد قد أظهر المأمون على حقيقته أمام الملأ، وعرفهم بواقع وأهداف كل ما أقدم عليه، وأزال كل شبهة ولبس في ذلك. كما قد حدث ذلك بالفعل.

هل الإمام راغب في هذا الأمر:

ولكن هذا كله وسواه، لا يعني أن الإمام (عليه السلام) كان راغباً في أي من الخلافة، أو ولاية العهد، فإن ما ذكرناه لا يبرر ذلك، حيث إنه لا يعدو عن أن يكون من الفوائد التي كان لا يمكن الحصول على بعضها

____________

(1) مناقب ابن شهرآشوب ج 4 ص 365، وديوان ابن المعتز ص 22 ـ 23 وإن اهتمام ابن المعتز الواضح بقضية الرضا مع المأمون، كما يظهر من شعره هنا، والذي قدمناه مع التعليق عليه في فصل: ظروف البيعة.. يدلنا على أن هذه القضية كان لها في الأمة صدي واسعاً، وآثاراً هامة، لم يكن بوسع ابن المعتز التغاضي عنها، والسكوت عليها.

(2) راجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 364، ومعادن الحكمة ص 192، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 140، والبحار ج 49 ص 140 141.

الصفحة 307
من دون الدخول في هذا الأمر. والبعض الآخر لا يساوي في أهميته وخطره، ما سوف يجره الدخول في هذا الأمر من مآس ومشاكل، وما سوف يترتب عليه من آثار سيئة وخطيرة.

وقد قدمنا في الفصل السابق البيان الكافي والوافي، لما سوف يعترض طريق الإمام (عليه السلام) من عقبات في الحكم، لو أنه كان قبل عرض الخلافة، وكيف ستكون النهاية له، ولنظام حكمه..

وهو يوضح لنا أيضاً حقيقة حاله، ونظام حكمه لو أنه قبل ولاية العهد، إذ أنه (عليه السلام) كان يعلم: أن وصوله للخلافة، وتسلمه لازمة الحكم والسلطان تعترضه عقبات صعبة، وأهوال عظيمة، لن يكون من اليسير التغلب عليها، وتجاوزها.

فلقد كان يعلم ـ كما أظهرت الأحداث والوقائع بعد ذلك ـ أنه لن يسلم من دسائس المأمون وأشياعه، بحيث يبقى محتفظا بحياته، أو على الأقل بمركزه، إلى ما بعد وفاة المأمون، ولم يكن يشك في أن المأمون سوف يقدم على كل غريبة، من أجل التخلص منه، وتصفيته، إن جسدياً، وإن معنوياً..

بل.. وحتى لو أن المأمون لم يقدم على أي عمل، فإن آماله بالبقاء على قيد الحياة إلى ما بعد وفاة المأمون، وهو بهذه السن المتقدمة، بالنسبة لسن المأمون.. كانت ضعيفة جداً، لا تبرر له الإقدام على قبول مثل هذا الأمر، إلا إذا كان يريد أن يعطي الناس انطباعاً عن نفسه، بأنه لم يزهد بالدنيا، وإنما الدنيا هي التي زهدت، كما كان يريد المأمون!!

ومع غض النظر عن كل ذلك.. فإنه لو قدر له البقاء على قيد الحياة إلى ما بعد وفاة المأمون، فلسوف يصطدم بتلك العناصر القوية ذات النفوذ، والتي لن ترضى عن سلوكه في الحكم بصورة عامة، وفوق
الصفحة 308
ذلك كله، لسوف يصطدم بمؤامرات العباسيين، وأشياعهم، والذين كانوا على استعداد لأن يعملوا المستحيل للحيلولة بينه وبين ذلك، ولو تمكن من ذلك، فلسوف لا يدخرون وسعا، ويجندون كل ما لديهم من طاقة وقوة وحول، من أجل زعزعة حكمه، وتقويض سلطانه، وخلق المشاكل الكثيرة له، لتضاف إلى ذلك الركام الهائل من المشاكل التي كانت تواجه الحكم.

إنهم سوف لا يمكنونه من قيادة الأمة قيادة صالحة، وسليمة وحكيمة، وليمنى ـ من ثم ـ بالفشل الذريع، والخيبة؟ القاتلة.

ولسوف يجدون هناك مرتعا خصبا لمؤامراتهم، ودسائسهم في تلك الدولة المترامية الأطراف، الطافحة بالمشاكل، وذلك عندما يجدون أن الإمام (عليه السلام) لن يرضى إلا أن يحكم بحكم جديه محمد (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام).

وأن الناس بمختلف فئاتهم وطبقاتهم سوف لا يكونون مستعدين لتقبل حكم كهذا. ولا أن ينقادوا لحاكم يريد منهم ذلك، ويخضعوا لإرادته، بعد أن كانوا قد اعتادوا على حياة الخلفاء الأمويين، والعباسيين، المليئة بالانحرافات والموبقات.

اللهم إلا أن يقوم الإمام (عليه السلام) في فترة ولاية العهد، أو بداية حكمه بإعداد مسبق، وتعبئة عامة وشاملة، على جميع المستويات، وفي مختلف المجالات.. وإلا.. فلسوف لا يكون قادراً على مواجهة ذلك الركام الهائل من المشاكل، ولا على النجاح والاستمرار في الحكم.. ولن يفسح العباسيون، والمأمون، وأشياعهم له المجال للقيام بذلك الإعداد، وتلك التعبئة، مهما كلفهم ذلك من تضحيات.

فالسلبية إذن هي الموقف الصحيح:

وبعد كل ما تقدم: فإن من الطبيعي أن لا يفكر الإمام (عليه السلام) في الوصول إلى الحكم عن مثل هذا الطريق الملتوي، والمحفوف بالأخطار، والذي لم يحقق له أي هدف من أهدافه. بل على العكس: سوف يكون
الصفحة 309
موجباً للقضاء عليه، وعلى كل آماله، وكل العلويين، والمتشيعين لهم، ويحقق فقط آمال الآخرين، وأهدافهم.. ولسوف يكون إقدامه على عمل من هذا النوع عملاً انتحارياً، لا مبرر له، ولا منطق يساعده.

لا بد من خطة لمواجهة الموقف:

وأخيراً.. وإذا كان لم يكن الرضا (عليه السلام) خيار في قبول ولاية العهد.. وإذا كان لا يمكن أن يقبل بأن يجعل وسيلة لتحقيق أهداف، وآلة يتوصل بها إلى مآرب يمقتها، ويكرهها كل الكره، لعلمه بما سوف يكون لها من آثار سيئة وخطيرة، على حاضر الأمة، ومستقبلها، وعلى مستقبل هذا الدين، وكذلك لا يمكنه أن يسكت، ويظهر بمظهر الموافق، والمؤيد، والمساعد.

فإن كل ما يمكن له أن يفعله ـ بعد هذا ـ هو أن يضع خطة، يستطيع بها مواجهة مؤامرات المأمون، وإحباط مخططاته، حتى لا يزداد الوضع سوءا، والطين بلة..

فإلى الحديث عن خطته هذه في الفصل التالي.

الصفحة 310

خطة الإمام (عليه السلام)

إنحراف الحكام:

إن أدنى مراجعة لتاريخ الحكام آنذاك ـ العباسيين والأمويين على حد سواء ـ لكفيلة بأن تظهر بجلاء مدى منافاة تصرفات أولئك الحكام، وسلوكهم، وحياتهم لمبادئ الإسلام وتعاليمه.. الإسلام، الذي كانوا يستطيلون على الناس به، ويحكمون الأمة ـ حسب ما يدعون ـ باسمه، وفي ظله. حتى لقد أصبح الناس، والناس على دين ملوكهم، يتأثرون بذلك، ويفهمون خطأ: أن الإسلام لا يبتعد كثيراً عما يرون، ويشاهدون، مما كان من نتائجه شيوع الانحراف عن الخط الإسلامي القويم. بنحو واسع النطاق، ليس من السهل بعد السيطرة عليه، أو الوقوف في وجهه.

العلماء المزيفون وعقيدة الجبر:

ولقد ساعد على ذلك، وزاد الطين بلة، فريق من أولئك الذين اشتريت ضمائرهم، ممن يتسمون، أو بالأحرى سماهم الحكام ب‍ «العلماء» حيث إنهم قاموا يتلاعبون بمفاهيم الإسلام، وتعاليمه،
الصفحة 311
لتوافق هوى، وتخدم مصالح أولئك الحكام المنحرفين، الذين أغدقوا عليهم المال، وغمروهم بالنعمة.

حتى إن أولئك المأجورين قد جعلوا عقيدة الجبر ـ الواضح لكل أحد زيفها وسخفها ـ من العقائد الدينية الإسلامية!.، من أجل أن يسهلوا على أولئك الحكام استغلال الناس، ولكي يوفروا لهم حماية لتصرفاتهم تلك. التي يندى لها جبين الإنسان الحر ألماً وخجلاً، إذ أنهم يكونون بذلك قد جعلوا كل ما يصدر منهم هو بقضاء من الله وقدره، ولذا فليس لأحد الحق في أن ينكر عليهم أي تصرف من تصرفاتهم، أو أي جناية من جناياتهم.

وكان قد مضى على ترويجهم هذه العقيدة المبتدعة ـ حتى زمان المأمون ـ أكثر من قرن ونصفاً، أي من أول خلافة معاوية، بل وحتى قبل ذلك أيضاً. بزمان طويل!

عقيدة الخروج على سلاطين الجور:

كما أنهم ـ أعني هؤلاء العلماء ـ قد جعلوا الخروج على سلاطين الجور والفساد موبقة من الموبقات، وعظيمة من العظائم..

وقد جرحوا بذلك عدد من كبار العلماء: مثل الإمام أبي حنيفة وغيره، بحجة أنه: «يرى السيف في أمة محمد»(1).

____________

(1) راجع: نظرية الإمامة، للدكتور أحمد محمود صبحي وغيره.

وفي تاريخ بغداد ج 5 ص 274،: أنه قيل لأبي مسهر: كيف لم تكتب عن محمد بن راشد؟! قال: «كان يرى الخروج على الأئمة».. وفي طبقات الحنابلة لأبي يعلى ج 3 ص 58، في مقام ترجيح سفيان على حسن بن حي، كان من جملة ما جرحه به أنه: «كان يرى السيف» ومثل ذلك كثير لا نرى حاجة لاستقصائه.

الصفحة 312
بل لقد جعلوا عدم جواز الخروج هذا من جملة العقائد الدينية، كما يظهر من تتبع كلماتهم(1).

وأما عقائد التشبيه، وقضية خلق القرآن، فلعلها أشهر من أن تذكر، أو تحتاج إلى بيان.

والذي زاد الطين بلة:

يضاف إلى ذلك كله غرور الحكام، الذي لا مبرر له، وكذلك من لف لفهم، الذين كانوا يحكمون الأمة باسم الدين.

وكذلك غفلة الناس، وعدم إدراكهم لحقيقة ما يجري وما يحدث، وللواقع المزري، الذي كان قائماً آنذاك.

وأيضاً.. وهو الأهم من كل ذلك ـ ابتعادهم، بسعي من الهيئات الحاكمة، عن أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة.

كل ذلك.. قد أدى بالفعل إلى انحلال الدولة داخليا، وتمزيق أوصالها.. كما وأنه قد أسهم إسهام كبيراً في إبعاد الناس عن تعاليم السماء، وشريعة الله.. الأمر الذي لم يكن يعني إلا نهاية الحكم الإسلامي،

____________

(1) حسبما صرح به أحمد بن حنبل في رسالة «السنة» وهي عقايد أهل الحديث، والسنة. وقد أوردها أبو يعلى في طبقات الحنابلة ج 1 ص 26. وصرح بذلك أيضاً الأشعري في مقالات الإسلاميين ج 1 ص 323، وفي الإبانة ص 9. وقد علل ذلك في نظرية الإمامة ص 417 بقوله: «.. ذلك أنها: إن كانت بلوى من الله عقابا لهم، فما ثورتهم برادة عقاب الله. وإن كانت محنة للمسلمين، فما هم برادي قضاء الله»!. وفي كتاب السنة قبل التدوين ص 467، نقل عن ابن خزيمة، في وصفه الطاعنين على أبي هريرة، قوله: إنهم إما معطل جهمي.. «وإما خارجي يرى السيف على أمة محمد، أو قدري، اعتزل الإسلام، وأهله الخ.».

الصفحة 313
وردة الناس إلى الجاهلية الجهلاء.. الأمر الذي لم يكن يرهب الحكام كثيراً، لأن الإسلام الذي يريدون، والدين الذي ينشدون، هو ذلك الذي يستطيعون أن يتسلطوا على الأمة، ويستأثروا بقدراتها وإمكاناتها في ظله. ويمهد لهم السبيل لاستمرارهم في فرض نفوذهم وسيطرتهم، ولو كان ذلك على حساب جميع الشرائع السماوية، وكل المفاهيم الإنسانية.

إن أولئك الحكام. ما كانوا يفكرون إلا في وسائل بقائهم واستمرارهم في الحكم، وإلا في شؤونهم ومصالحهم الخاصة بهم. أما الأمة المسلمة، وأما الإسلام، فلم يكن لهما لديهم أية قيمة، أو شأن يذكر، إلا في حدود ما يستطيعون الإفادة منهما في بقائهم ووجودهم في الحكم والسلطة.

الأئمة في مواجهة مسؤولياتهم:

وفي هذا الوسط الغريب: من غفلة الناس، ومن سيرة الحكام، والمتسمين بالعلماء وسلوكهم.. كان الأئمة (عليهم السلام) يؤدون واجبهم في نشر تعاليم السماء، ويكافحون، وينافحون عنها، بقدر ما كانت تسمح لهم ظروفهم، التي كانت في ظل سلطان أولئك المنحرفين قاسية إلى حد بعيد.

وأما عن الإمام الرضا بالذات:

وقد سنحت للإمام الرضا (عليه السلام) فرصة لفترة وجيزة، كان الحكام منشغلين فيها بأمور تهمهم.. للقيام بواجبه في توعية الأمة، وتعريفها بتعاليم الإسلام. وذلك في الفترة التي تلت وفاة الرشيد، وحتى قتل الأمين. بل نستطيع أن نقول: إنها امتدت ـ ولو بشكل محدود ـ حتى وفاة الإمام (عليه السلام) في سنة «203». الأمر الذي كان من نتيجته ازدياد

https://ahlalbayt12.7olm.org

Admin


Admin

نفوذه (عليه السلام)، واتساع قاعدته الشعبية، حتى لقد كانت كتبه تنفذ في المشرق والمغرب، وكان هو الأرضى في الخاصة والعامة، حسبما ألمحنا إليه من قبل.
الخطة الحكيمة:

وعندما أراد المأمون أن ينفذ خطته في البيعة له بولاية العهد، وعرف الرضا: أن لا مناص له من قبول ذلك، كان من الطبيعي أن يعد (عليه السلام) العدة، ويضع خطة لمواجهة خطط المأمون، وإحباط أهدافه الشريرة، والتي كان أهونها القضاء على سمعة الإمام (عليه السلام)، وتحطيمه معنوياً واجتماعياً.

ولقد كانت حطة الإمام هذه في منتهى الدقة والإحكام، وقد نجحت أيما نجاح في إفشال المؤامرة وتضييع كثير من أهدافها، وجعل الأمور في صالح الإمام (عليه السلام)، وفي ضرر المأمون.. حتى لقد ضاع رشد المأمون [بل ورشد أشياعه أيضاً]، وهو أفعى الدهاء والسياسة، ولم يعد يدري ما يصنع، ولا كيف يتصرف..

مواقف لم يكن يتوقعها المأمون:

ولعلنا نستطيع أن نسجل هنا بعض المواقف للإمام (عليه السلام)، التي لم يكن المأمون قد حسب لها حسابا، والتي كانت ضمن خطة الإمام (عليه السلام) في مواجهة مؤامرات المأمون..

الموقف الأول:

إننا نلاحظ أن الإمام (عليه السلام) قد رفض دعوة المأمون، وهو في المدينة
الصفحة 315
ولم يقبل إلا بعد أن علم أنه لا يكف عنه.. بل إن بعض النصوص تشير إلى أنه قد حمل إلى مرو بالرغم عنه، لا باختياره..

وما ذلك إلا ليعلم المأمون: أن حيلته لم تكن لتجوز عليه، وأنه (عليه السلام) على علم تام بأبعاد مؤامرته وأهدافها.. كما أنه بذلك يثير شكوك الناس وظنونهم حول طبيعة هذا الحدث، وسلامة النوايا فيه.

الموقف الثاني:

إنه رغم أن المأمون كان قد طلب من الإمام (عليه السلام) ـ وهو في المدينة ـ أن يصطحب معه من أحب من أهل بيته في سفره إلى مرو.

إنه رغم ذلك.. نلاحظ: أنه (عليه السلام) لم يصطحب معه حتى ولده الوحيد الإمام الجواد (عليه السلام)، مع علمه بطول المدة، التي سوف يقضيها في هذا السفر، الذي سوف يتقلد فيه زعامة الأمة الإسلامية، حسب ما يقوله المأمون.. بل مع علمه بأنه سوف لن يعود من سفره ذاك، كما تؤكد عليه كثير من النصوص التاريخية.

شكوك لها مبرراتها:

ونرى أننا مضطرون للشك في نوايا المأمون وأهدافه من وراء طلبه هذا «أن يصطحب الإمام (عليه السلام) من شاء من أهل بيته إلى مرو».

بعد أن رأينا: أنه لم يرجع أحد ممن ذهب مع محمد بن جعفر إلى مرو، ولا رجع محمد بن جعفر نفسه، ولا رجع محمد بن محمد بن زيد، ولا غير هؤلاء، كما سيأتي بيانه في الفصل التالي وغيره..

فلعل الإمام (عليه السلام) بل إن ذلك هو المؤكد، الذي تدل عليه
الصفحة 316
تصريحاته وتصرفاته حيث تأهب للسفر ـ لعله ـ قد ظن لنوايا المأمون هذه، فضيع الفرصة عليه، وأعاد كيده إليه..

الموقف الثالث:

سلوكه في الطريق، كما وصفه رجاء بن أبي الضحاك(1)، حتى اضطر المأمون لأن يظهر على حقيقته، ويطلب من رجاء هذا: أن لا يذكر ما شاهده منه لأحد، بحجة أنه لا يريد أن يظهر فضله إلا على لسانه(2)، ولكننا لم نره يظهر فضله هذا، حتى ولو مرة واحدة، فلم يدع أحد أنه سمع شيئاً من المأمون عن سلوك الإمام (عليه السلام)، وهو في طريقه إلى مرو. وأما رجاء، فلعله لم يحدث بذلك إلا بعد أن لم يعد في ذلك ضرر على المأمون، وبعد أن ارتفعت الموانع، وقضي الأمر.

الموقف الرابع:

موقفه في نيشابور، الذي لم يكن أبداً من المصادفة. كما لم يكن ذكره للسلسلة التي يروي عنها من المصادفة أيضاً، حيث أبلغ الناس في ذلك الموقف، الذي كانت تزدحم فيه أقدام عشرات بل مئات الألوف(3) ـ أبلغهم ـ: «كلمة لا إله إلا الله حصني، فمن دخل

____________

(1) راجع: البحار ج 49 من ص 91 حتى 95، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 181 فما بعدها: وهو كلام معروف لا نرى أننا بحاجة لتكثير مصادره هنا.

(2) البحار ج 49 ص 95، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 183.

(3) وذلك يدل على مدى تعاطف الناس مع أهل البيت، ومحبتهم لهم. الأمر الذي كان يرعب المأمون ويخيفه. حتى لقد كان يحاول كبت عواطف الناس هذه، وهذا هو السبب في منع الإمام من المرور عن طريق الكوفة وقم، كما سيأتي.

الصفحة 317
حصني أمن من عذابي»(1).

هذه الكلمة.. التي عد أهل المحابر والدوي، الذين كانوا يكتبونها، فأنافوا على العشرين ألفاً.. هذا على قلة من كانوا يعرفون القراءة والكتابة آنذاك، وعدا عمن سواهم ممن شهد ذلك الموقف العظيم..

«.. ونلاحظ: أنه (عليه السلام) ـ في هذا الظرف ـ لم يحدثهم عن مسألة فرعية، ترتبط ببعض مجالات الحياة: كالصوم، والصلاة، وما شاكل. ولم يلق عليهم موعظة تزهدهم في الدنيا، وترغبهم في الآخرة، كما كان شأن العلماء آنذاك.

كما أنه لم يحاول أن يستغل الموقف لأهداف شخصية، أو سياسية، كما جرت عادة الآخرين في مثل هذه المواقف.. مع أنه يتوجه إلى مرو، ليواجه أخطر محنة تحدد وجوده، وتهدد العلويين، ومن ثم الأمة بأسرها.

وإنما كلم الناس باعتباره القائد الحقيقي، الذي يفترض فيه: أن يوجه الناس ـ في ذلك الظرف بالذات ـ إلى أهم مسألة ترتبط بحياتهم، ووجودهم، إن حاضراً، وإن مستقبلاً، ألا وهي مسألة: التوحيد..

التوحيد: الذي هو في الواقع الأساس للحياة الفضلى، بمختلف جوانبها، وإليه تنتهي، وعلى وبه تقوم..

التوحيد: الذي ينجي كل الأمم من كل عناء وشقاء وبلاء. والذي إذا فقده الإنسان، فإنه يفقد كل شيء في الحياة حتى نفسه..

مدى ارتباط مسألة الولاية بمسألة التوحيد:

هذا.. ولأنه قد يكون الكثيرون ممن شهدوا ذلك الموقف لم يتهيأ

____________

(1) قد ذكرنا بعض مصادر هذه القضية في فصل: «شخصية الإمام الرضا» فمن أراد فليراجع.

الصفحة 318
لهم سماع كلمة الإمام (عليه السلام)، لانشغالهم مع بعضهم بأحاديث خاصة، أو لتوجههم لأمور جانبية أخرى، كما يحدث ذلك كثيراً في مناسبات كهذه..

نرى الإمام (عليه السلام) يتصرف بنحو آخر، حيث إنه عندما سارت به الناقة، وفي حين كانت أنظار الناس كلهم. وقلوبهم مشدودة إليها.. نراه يخرج رأسه من العمارية، فيسترعي ذلك انتباه الناس، الذين لم يكونوا يترقبون ذلك منه. ثم يملي عليهم ـ وهم يلتقطون أنفاسهم، ليستمعوا إلى ما يقول ـ كلمته الخالدة الأخرى: «بشروطها، وأنا من شروطها».

لقد أملى الإمام (عليه السلام) كلمته هذه عليهم، وهو مفارق لهم، لتبقى الذكرى الغالية، التي لا بد وأن يبقى لها عميق الأثر في نفوسهم(1).

لقد أبلغهم (عليه السلام) مسألة أساسية أخرى، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتوحيد، ألا وهي مسألة: «الولاية».

وهي مسألة بالغة الأهمية، بالنسبة لأمة تريد أن تحيا الحياة الفضلى، وتنعم بالعيش الكريم، إذ ما دامت مسألة القيادة الحكيمة. والعادلة، والواعية لكل ظروف الحياة. وشؤونها، ومشاكلها ـ ما دامت هذه

____________

(1) ويلاحظ: أن هذه الكلمة قد صيغت بنحو لا بد معه من الرجوع إلى الكلمة الأولى، ومعرفتها.

وبعد.. فما أشبه موقفه (عليه السلام) هنا بموقف النبي (صلى الله عليه وآله) في غدير خم، حيث إنه (صلى الله عليه وآله) كان أيضاً قد أبلغ المسلمين مسألة الولاية، في ذلك الموقف الحاشد، وفي المكان الذي لا بد فيه من تفرق الناس عنه (صلى الله عليه وآله)، وذهاب كل منهم إلى بلده، ولعل إرجاع المتقدمين، وحبس المتأخرين يشبهها إخراج الإمام (عليه السلام) رأسه من العمارية..

يضاف إلى ذلك: أن موقفه (صلى الله عليه وآله) كان آخر مواقفه العامة في حياته إلى آخر ما هنالك من وجوه الشبه بين الواقعتين.

ولعلنا نجد تشابهاً بين هذه الواقعة، وبين قضية إرجاع أبي بكر عن تبليغ آيات سورة براءة، ثم إرسال علي مكانه..

الصفحة 319
المسألة ـ لم تحل، فلسوف لا يمكن إلا أن يبقى العالم يرزح تحت حكم الظلمة والطواغيت، والذين يجعلون لأنفسهم صلاحيات التقنين والتشريع الخاصة بالله، ويحكمون بغير ما أنزل الله، وليبقى العالم ـ من ثم ـ يعني الشقاء والبلاء، ويعيش في متاهات الجهل، والحيرة، والضياع..(1).

وإننا إذا ما أدركنا بعمق مدى ارتباط مسألة: «الولاية» بمسألة «التوحيد» فلسوف نعرف: أن قوله (عليه السلام): «وأنا من شروطها» لم تمله عليه مصلحته الخاصة، ولا قضاياه الشخصية..

ولسوف ندرك أيضاً: الهدف الذي من أجله ذكر الإمام (عليه السلام) سلسلة سند الرواية، الأمر الذي ما عهدناه، ولا ألفناه منهم (عليهم السلام). إلا في حالات نادرة، فإنه (عليه السلام) قد أراد أن ينبه بذلك على مدى ارتباط مسألة القيادة للأمة بالمبدأ الأعلى..

الإمام ولي الأمر من قبل الله، لا من قبل المأمون:

وعدا عن ذلك كله.. فإننا نجد أن الإمام (عليه السلام)، حتى في هذا الموقف، قد اهتبل الفرصة، وأبلغ ذلك الحشد الذي يضم عشرات بل مئات الألوف: أنه الإمام للمسلمين جميعاً، والمفترض الطاعة عليهم، على حد تعبير القندوزي الحنفي، وغيره.. وذلك عندما قال لهم: «وأنا من شروطها».

وبذلك يكون قد ضيع على المأمون أعظم هدف كان يرمي إليه من استقدام الإمام (عليه السلام) إلى مرو. ألا وهو: الحصول على اعتراف بشرعية خلافته، وخلافة بني أبيه العباسيين.

____________

(1) قد استرشدنا في بعض ما ذكرناه بما ذكره الأستاذ علي غفوري، في كتابه: «ياد بود هشتمين امام» [فارسي].

الصفحة 320
إذ أنه قد بين للملأ بقوله: «وأنا من شروطها»: أنه هو بنفسه من شروط كلمة التوحيد، لا من جهة أنه ولي الأمر من قبل المأمون، أو سيكون ولي الأمر أو العهد من قبله، وإنما لأن الله تعالى جعله من شروطها.

وقد أكد (عليه السلام) على هذا المعنى كثيراً، وفي مناسبات مختلفة، حتى للمأمون نفسه في وثيقة العهد كما سيأتي، وأيضاً في الكتاب الجامع لأصول الإسلام والأحكام، الذي طلبه منه المأمون، حيث كتب فيه أسماء الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)، مع أن عدداً منهم لم يكونوا قد ولدوا بعد، كما أنه ذكر أسماءهم في احتجاجه على العلماء والمأمون في بعض مجالسهم العلمية، وفي غير ذلك من مواقفه الكثيرة (عليه السلام).

الإمام يبلغ عقيدته لجميع الفئات:

وأخيراً.. لا بد لنا في نهاية حديثنا عن هذا الموقف التاريخي من الإشارة إلى أنه كان من الطبيعي أن يضم ذلك الحشد العظيم، الذي يقدر بعشرات. بل بمئات الألوف:

1 ـ حشداً من أهل الحديث واتباعهم، الذين جعلوا صلحاً جديداً بين الخلفاء الثلاثة، وبين علي (عليه السلام) في معتقداتهم، بشرط أن يكون هو الرابع في الخلافة والفضل. ولفقوا من الأحاديث في ذلك ما شاءت لهم قرائحهم، حتى جعلوه إذا سمع ذكراً لأبي بكر يبكي حباً، ويمسح عينيه ببرده(1).

وجعلوه أيضاً ضراباً للحدود بين يدي الثلاثة: أبي بكر، وعمر،

____________

(1) تاريخ الخلفاء ص 120، وغيره.

الصفحة 321
وعثمان(1)، كما تنبأ هو نفسه (عليه السلام) بذلك(2). إلى غير ذلك مما لا يكاد يخفى على الناظر البصير، والناقد الخبير..

2 ـ وحشداً من أهل الإرجاء، الذين ما كانوا يقيمون وزناً لعلي، وعثمان. بل كانت المرجئة الأولى لا يشهدون لهما بإيمان، ولا بكفر..

3 ـ وأيضاً.. أن يضم حشداً من أهل الاعتزال، الذين أحاطوا بالمأمون، بل ويعد هو منهم، والذين تدرجوا في القول بفضل علي (عليه السلام) حسبما اقتضته مذاهبهم ومشاربهم، فقد كان مؤسسا نحلة الاعتزال: واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، لا يحكمان بتصويبه في وقعة الجمل مثلاً، ولكن أتباعهما تدرجوا على مر الزمان في القول بفضله، فقد شكك أبو الهذيل العلاف في أفضليته على أبي بكر، أو القول بتساويهما في الفضل.

ولكن رئيس معتزلة بغداد: بشر بن المعتمر، قد جزم بأفضليته على الخلفاء الثلاثة، ولكنه قال بصحة خلافتهم.. وقد تبعه جميع معتزلة بغداد، وكثير من البصريين.

وإذا كان ذلك الحشد الهائل يضم كل هؤلاء. وغيرهم ممن لم نذكرهم.. فمن الطبيعي أن تكون كلمة الإمام هذه: «وأنا من شروطها» ضربة موفقة ودامغة لكل هؤلاء، وإقامة للحجة عليهم جميعا. على اختلاف أهوائهم، ومذاهبهم..

ويكون قد بلغ بهذه الكلمة: «وأنا..» صريح عقيدته، وعقيدة

____________

(1) تاريخ الخلفاء ص 119، 120، والمحاسن والمساوي ج 1 ص 79 طبع مصر. والفتوحات الإسلامية لدحلان ط مصطفى محمد ج 2 ص 368.

(2) فقد قال بعد أن ضرب الوليد بن عقبة الحد، لشربه الخمر: «لتدعوني قريش بعد هذا جلادها». الغدير ج 8 ص 121. وقد صدقت نبوءته، صلوات الله وسلامه عليه، فقد جعلوه ـ كما ترى ـ ضرابا للحدود بين يدي الثلاثة!!.

الصفحة 322
آبائه الطاهرين (عليهم السلام) في أعظم مسألة دينية، تفرقت لأجلها الفرق في الإسلام، وسلت من أجلها السيوف.

بل لقد قال الشهرستاني: «.. وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثلما سل على الإمامة في كل زمان.»(1).

وبعد كل ما قدمناه.. لا يبقى مجال للقول: إن قوله هذا: «وأنا..» لا ينسجم مع ما عرف عنه (عليه السلام) من التواضع البالغ، وخفض الجناح، إذ ليس ثمة من شك في أن للتواضع وخفض الجناح موضع آخر. وأنه كان لا بد للإمام في ذلك المقام، من بيان الحق الذي يصلح به الناس أولاً وآخراً، ويفتح عيونهم وقلوبهم على كل ما فيه الخير والمصلحة لهم، إن حاضرا، وإن مستقبلا، وإن جزع من ذلك قوم. وحنق آخرون.

تعقيب هام وضروري:

ومما هو جدير بالملاحظة هنا، هو أن أئمة الهدى (عليهم السلام) كانوا يستعملون التقية في كل شيء إلا في مسألة أنهم (عليهم السلام) الأحق بقيادة

____________

(1) الملل والنحل، ج 1 ص 24، وقال الخضري في محاضراته ج 1 ص 167: «.. والخلاصة: أن مسألة الخلافة الإسلامية والاستخلاف، لم تسر مع الزمن في طريق يؤمن فيه العثار. بل كان تركها على ما هي عليه، من غير محل محدد ترضاه الأمة، وتدفع عنه سبباً لأكثر الحوادث التي أصابت المسلمين، وأوجدت ما سيرد عليكم من أنواع الشقاق والحروب المتواصلة، التي قلما يخلو منها زمن، سواء كان ذلك بين بيتين، أو بين شخصين.» انتهى.

وأقول: إذن. كيف جاز للنبي (صلى الله عليه وآله) أن يترك الأمة هكذا هملا، ثم لا يضع حلاً لأعظم مشكلة تواجهه، مع أن شريعته كاملة وشاملة، وقد بين فيها كل ما تحتاجه الأمة، حتى أرش الخدش.

الصفحة 323
الأمة، وخلافة النبي (صلى الله عليه وآله). مع أنها لا شيء أخطر منها عليهم. كما تشير إليه عبارة الشهرستاني الآنفة، وغيرها.

وذلك يدل على مدى ثقتهم بأنفسهم، وبأحقيتهم بهذا الأمر.

فنرى الإمام موسى (عليه السلام) يواجه ذلك الطاغية الجبار هارون بهذه الحقيقة، ويصارحه بها، أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة(1). بل لقد رأينا الرشيد نفسه يعترف بأحقيتهم تلك في عدد من المناسبات على ما في كتب السير والتاريخ.

ولقد نقل غير واحد(2) أنه: عندما وقف الرشيد على قبر النبي (صلى الله عليه وآله)، وقال مفتخرا: السلام عليك يا ابن عم. جاء الإمام موسى (عليه السلام)، وقال: السلام عليك يا أبة. فلم يزل ذلك في نفس الرشيد إلى أن قبض عليه: وعندما قال له الرشيد: أنت الذي تبايعك الناس سراً؟!

أجابه الإمام (عليه السلام): أنا إمام القلوب، وأنت إمام الجسوم(3). وأما الحسن، والحسين، وأبوهما، فحالهما في ذلك أشهر من أن يحتاج إلى بيان.

بل إن أعظم شاهد على مدى ثقتهم بأحقية دعواهم الإمامة ما قاله الإمام الرضا (عليه السلام) للقائل له: إنك قد شهرت نفسك بهذا الأمر، وجلست مجلس أبيك، وسيف هارون يقطر الدم؟!.

____________

(1) راجع: الصواعق المحرقة، وينابيع المودة، ووفيات الأعيان، والبحار، وقاموس الرجال، وغير ذلك.

(2) البداية والنهاية ج 10 ص 183، والكامل لابن الأثير ج 6، ص 164 ط صادر، والصواعق المحرقة ص 122، والإتحاف بحب الأشراف ص 55، ومرآة الجنان ج 1 وأعيان الشيعة، وينابيع المودة، وغير ذلك.

(3) الإتحاف بحب الأشراف ص 55، والصواعق المحرقة ص 122.

الصفحة 324
فأجابه الإمام (عليه السلام): «جرأني على هذا ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن أخذ أبو جهل من رأسي شعرة، فأشهد أني لست بنبي.. وأنا أقول لكم: إن أخذ هارون من رأسي شعرة، فاشهدوا أني لست بإمام.»(1).

وفي هذا المعنى روايات عديدة(2).

ولكنهم (عليهم السلام) قد انصرفوا بعد الحسين (عليه السلام) عن طلب هذا الأمر بالسيف. إلى تربية الأمة، وحماية الشريعة من الانحرافات التي كانت تتعرض لها باستمرار، ولأنهم كانوا يعلمون: أن طلب هذا الأمر من دون أن يكون له قاعدة شعبية قوية وثابتة، وواعية، لن يؤدي إلى نتيجة، ولن يقدر له النجاح، الذي يريدونه هم، ويريده الله. ولكنهم ـ كما قلنا ـ ظلوا (عليهم السلام) يجاهرون بأحقيتهم بهذا الأمر، حتى مع خلفاء وقتهم، كما يظهر لكل من راجع مواقفهم وأقوالهم في المناسبات المختلفة.

الموقف الخامس:

رفضه الشديد لكلا عرضي المأمون: الخلافة، وولاية العهد، وإصراره على هذا الرفض الذي استمر أشهراً، وهو في مرو نفسها، حتى لقد هدده المأمون أكثر من مرة بالقتل.

وبذلك يكون قد مهد الطريق ليواجه المأمون بالحقيقة، حيث قال له: إنه يريد أن يقول للناس: إن علي بن موسى لم يزهد بالدنيا، وإنما الدنيا هي التي زهدت فيه، وليكون بذلك قد أفهم المأمون أن

____________

(1) المناقب لابن شهرآشوب ج 4 ص 339، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 213.

(2) راجع: البحار ج 49، وروضة الكافي: وعيون أخبار الرضا، وإرشاد المفيد، وغير ذلك.

الصفحة 325
حيلته لم تكن لتجوز، وأن زيفه لا ينطلي عليه، وأن عليه أن يكف في المستقبل عن كل مؤامراته ومخططاته. وليكون المأمون بعد هذا غير مطمئن لأي عمل يقدم عليه، وضعيف الثقة بكل الحيل والمؤامرات التي يحوكها. هذا بالإضافة إلى أن الناس سوف يشكون في طبيعية هذا الأمر، وسلامة نوايا المأمون فيه.

الموقف السادس:

ولم يكتف الإمام (عليه السلام) بذلك كله.. بل كان لا يدع فرصة تمر إلا يؤكد فيها على أن المأمون قد أكرهه على هذا الأمر، وأجبره عليه، وهدده بالقتل إن لم يقبل.

يضاف إلى ذلك.. أنه كان يخبر الناس في مختلف المناسبات: أن المأمون سوف ينكث العهد، ويغدر به.. حتى لقد قال في نفس مجلس البيعة للمستبشر: «لا تستبشر، فإنه شيء لا يتم» بل لقد كتب في نفس وثيقة العهد ما يدل على ذلك دلالة واضحة، كما سيأتي بيانه في الموقف الثامن.

هذا عدا عن أنه كان يصرح بأنه لا يقتله إلا المأمون، ولا يسمه إلا هو، حتى لقد واجه نفس المأمون بهذا الأمر.

بل إنه لم يكن يكتفي بمجرد القول، وإنما كانت حالته على وجه العموم في فترة ولاية العهد تشير إلى عدم رضاه بهذا الأمر، وإلى أنه مكره مجبر عليه.

حيث إنه كان على حد تعبير الرواة: «في ضيق شديد، ومحنة عظيمة» و «لم يزل مغموماً مكروباً حتى قبض»، و «قبل البيعة، وهو باك حزين» وكان كما يقول المدائني: «إذا رجع يوم الجمعة من
الصفحة 326
الجامع، وقد أصابه العرق والغبار، رفع يديه وقال: «اللهم إن كان فرجي مما أنا فيه بالموت، فعجل لي الساعة»(1).

إلى آخر ما هنالك، مما لا يمكن استقصاؤه في مثل هذه العجالة..

وواضح: أن كل ذلك سوف يؤدي إلى عكس النتيجة، التي كان يتوخاها المأمون من البيعة، وخصوصاً إذا ما أردنا الملائمة بين مواقفه هذه، وموقفه في نيشابور، وموقفه صلاتي العيد في مرو.

الموقف السابع:

إنه كان لا يدع فرصة تمر إلا ويؤكد فيها على أن المأمون لم يجعل له إلا ما هو حق له، وأنه لم يزد بذلك على أن أرجع الحق إلى أهله، بعد أن كانوا قد اغتصبوه منهم، بل وإثبات أن خلافة المأمون ليست صحيحة ولا هي شرعية.

أما ما يتعلق به بصحة خلافة المأمون:

فنلاحظ: أنه (عليه السلام) حتى في كيفية البيعة يشير ـ على ما صرح به كثير من المؤرخين ـ إلى أن المأمون، الذي يحتل عنوة مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يجهل حتى كيفية ذلك العقد الذي خوله ـ بنظره ـ أن يكون في ذلك المجلس الخطير، حيث إنه (عليه السلام): «.. رفع يده، فتلقى بظهرها وجه نفسه، وبطنها وجوههم، فقال له المأمون: إبسط

____________

(1) البحار ج 49 ص 140، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 15.

الصفحة 327
يدك للبيعة، فقال له: إن رسول الله هكذا كان يبايع، فبايعته الناس.»(1).

ونظير ذلك أيضاً: ما روي من أن المأمون قد أمر الناس: أن يعودوا للبيعة من جديد، عندما أعلمه الإمام (عليه السلام): بأن كل من كان قد بايعه، قد بايعه بفسخ البيعة إلا الشاب الأخير.. وهاج الناس بسبب ذلك. وعابوا المأمون على عدم معرفته بالعقد الصحيح والكيفية الصحيحة للبيعة وهذه القضية مذكورة في العديد من المصادر أيضاً(2).

وأما أن الخلافة حق للإمام (عليه السلام) دون غيره:

فلعله لا يكاد يخفى على من له أدنى اطلاع على حياة الإمام (عليه السلام) ومواقفه وقد تحدثنا آنفاً عن موقفه في نيشابور، وهو في طريقه إلى مرو، وكيف أنه (عليه السلام) جعل نفسه الشريفة والاعتراف بإمامته شرطا لكلمة التوحيد، والدخول في حصن الله الحصين..

وأشرنا أيضاً: إلى أنه قد عدد الأئمة الشرعيين، وهو أحدهم في عديد من المناسبات والمواقف حتى فيما كتبه للمأمون. بل لقد المح إلى ذلك أيضاً بل لقد ذكره صراحة فيما كتبه على حاشية وثيقة العهد بخط يده.

كما أن من الأمور الجديرة بالملاحظة هنا خطاب الإمام (عليه السلام) حينما بويع له بولاية العهد، وهو ما يلي:

____________

(1) راجع: المناقب ج 4 ص 369، 364 والبحار ج 49 ص 14 4. وعلل الشرايع، ومقاتل الطالبيين، ونور الأبصار، ونزهة الجليس، وعيون أخبار الرضا.

(2) راجع: على سبيل المثال: شرح ميمية أبي فراس ص 204.

الصفحة 328
«.. إن لنا عليكم حقاً برسول الله، ولكم علينا حق به، فإذا أنتم أديتم لنا ذلك وجب علينا الحق لكم..».

ولم يؤثر عنه في ذلك المجلس غير ذلك.. وهو معروف ومشهور بين أرباب السير والتاريخ..

ومن الواضح:أن اقتصاره على هذه الكلمة في ذلك المجلس الذي يقتضي إيراد خطبة طويلة، يتعرض فيها لمختلف المواضيع، وعلى الأقل لشكر المأمون على ما خصه به من ولاية العهد بعده ـ إن اقتصاره على هذا ـ يعتبر أسلوباً رائعاً لتركيز المفهوم الذي يريده الإمام (عليه السلام) في أذهان الناس، وإعطائهم الانطباع الحقيقي عن البيعة، وعن موقفه منها، ومن جهاز الحكم، في نفس مجلس البيعة، حتى لا يبقى هناك مجال للتكهن بأن: الإمام كان يرغب في هذا الأمر، ثم حدث ما أوجب غضبه وسخطه. وقد يكون له الحق في ذلك وقد لا يكون.

يضاف إلى كل ذلك:أنه (عليه السلام) قال لحميد بن مهران، حاجب المأمون: «.. وأما ذكرك صاحبك [يعني المأمون، والمأمون جالس]، الذي أجلني، فما أحلَّني إلا المحل الذي أحلَّه ملك مصر ليوسف الصديق (عليه السلام)، وكانت حالهما ما قد علمت.».

كما أنه (عليه السلام) قد قال أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة: «إن من أخذ برسول الله، لحقيق بأن يعطي به»، وذلك عندما عرض له المأمون بالمن عليه بأن جعله ولي عهده، وفي غير هذه المناسبة أيضاً.

المأمون يعترف بأحقية آل علي بالأمر:

ولعل من أعظم المواقف الجديرة بالتسجيل هنا موقفة (عليه السلام) مع المأمون،
الصفحة 329
عندما حاول هذا أن يحصل منه (عليه السلام) على اعتراف بأن العباسيين والعلويين سواء بالنسبة لقرباهم من النبي (صلى الله عليه وآله)، وذلك من أجل أن يثبت ـ بزعمه ـ أن له ولبني أبيه حقاً في الخلافة.

فكانت النتيجة: أن نجح الإمام (عليه السلام) في انتزاع اعتراف من المأمون بأن العلويين هم الأقرب.. وتكون النتيجة ـ على حسب منطق المأمون، ومنطق أسلافه كما قدمنا ـ هي: أن العلويين هم الأحق بالخلافة والرياسة، وأنه هو، وآباءه غاصبون، ومعتدون..

فبينما المأمون والرضا (عليه السلام) يسيران، إذ قال المأمون:

«.. يا أبا الحسن، إني فكرت في شيء، فنتج لي الفكر الصواب فيه: فكرت في أمرنا وأمركم، ونسبنا ونسبكم، فوجدت الفضيلة فيه واحدة، ورأيت اختلاف شيعتنا في ذلك محمولا على الهوى والعصبية.

فقال له أبو الحسن الرضا (عليه السلام): إن لهذا الكلام جوابا، إن شئت ذكرته لك، وإن شئت أمسكت..

فقال له المأمون: إني لم أقله إلا لأعلم ما عندك فيه..

قال له الرضا (عليه السلام): أنشدك الله يا أمير المؤمنين، لو أن الله تعالى بعث نبيه محمداً (صلى الله عليه وآله)، فخرج علينا من وراء أكمة من هذه الآكام، يخطب إليك ابنتك، كنت مزوجه إياها؟.

فقال: يا سبحان الله، وهل أحد يرغب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟!.

فقال له الرضا (عليه السلام)، أفتراه كان يحل له أن يخطب إلي؟.

قال: فسكت المأمون هنيئة، ثم قال: «أنتم والله، أمس برسول الله رحماً»(1).

____________

(1) كنز الفوائد للكراجكي ص 166، والفصول المختارة من العيون والمحاسن ص 15، 16، والبحار ج 49 ص 188، ومسند الإمام الرضا (عليه السلام) ج 1 ص 100.

الصفحة 330
وكانت هذه ضربة قاضية وقاصمة للمأمون. لم يكن قد حسب لها أي حساب. ولم يكن ليتمكن في مقابل ذلك من أي عمل ضد الإمام (عليه السلام)، بعد أن كان هو الجاني على نفسه، ف‍ «على نفسها جنت براقش».

وبعد كل ذلك فقد قدمنا قول ابن المعتز:


وأعطاكم المأمون حق خلافة لنا حقها، لكنه جاد بالدنيا


وخلاصة الأمر:

إنه (عليه السلام) لم يكن يدخر وسعا في إحباط مسعى المأمون، وتضييع الفرصة عليه، وإفهام الناس أنه مكره على هذا الأمر، مجبر عليه. والتأكيد على أن المأمون لم يجعل له إلا ما هو حق له، ولذا فلا يمكن أن يعتبر قبوله بولاية العهد اعترافا بشرعية الخلافة العباسية، أو بشرعية أي تصرف من تصرفاتها. كما أنه إذا كان ذلك حقاً للإمام اغتصبه الغاصبون، واعتدى عليه فيه المعتدون، فليس المأمون حق في أن يعرض له (عليه السلام) بالمن عليه، بما جعل له من ولاية العهد.

وكذلك ليس للمأمون بعد: أن يدعي العدل والإنصاف، فضلاً عن الإيثار والتضحية في سبيل الآخرين، بعد أن فضح الإمام أهدافه من لعبته تلك، وعرف كل أحد أنها لم تكن شريفة ولا سليمة.

الأكذوبة المفضوحة:

وبعد.. فقد ذكر بعض أهل الأهواء، كابن قتيبة، وابن عبد ربه، واقعة خيالية، غير تلك التي ذكرناها آنفاً وهي:

أن المأمون قال لعلي بن موسى: علام تدعون هذا الأمر؟!.

قال: «بقرابة علي وفاطمة من رسول الله (صلى الله عليه وآله)..».

الصفحة 331
فقال المأمون: «إن لم تكن إلا القرابة، فقد خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) من هو أقرب إليه من علي، أو من هو في قعدده. وإن ذهبت إلى قرابة فاطمة من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فإن الأمر بعدها للحسن، والحسين، فقد ابتزهما علي حقهما، وهما حيان، صحيحان، فاستولى على ما لا حق له فيه». فلم يحر علي بن موسى له جواباً(1).. انتهى.

وهي واقعة مزيفة ومجعولة من أجل التغطية على الواقعة الحقيقية، التي جرت بينهما، والتي تنسجم مع كل الأحداث والوقائع، وجميع الدلائل والشواهد متظافرة على صحتها، ألا وهي تلك التي قدمناها آنفاً..

والدليل على زيف هذه الرواية: أنها لا توافق نظرة أئمة أهل البيت ورأيهم في الخلافة ومستحقها، لأنهم يرون ـ كما تدل عليه تصريحاتهم المتكررة، وأقوالهم المتضافرة ـ: «أن منصب الإمامة لا يكون إلا بالنص.

وأما الاستدلال بالقرابة، فقد قلنا في الفصل الأول من هذا الكتاب: أن أول من التجأ إليه أبو بكر، ثم عمر. ثم الأمويون، فالعباسيون، ثم أكثر، إن لم يكن كل مطالب بالخلافة.. وأنه إذا كان في كلام الأئمة وشيعتهم ما يفهم منه ذلك، فإنما اقتضاه الحجاج مع خصومهم.

وبعد.. فهل يخفى على الإمام (عليه السلام) ضعف ووهن هذه الحجة، مع أننا نراه يصرح في أكثر من مناسبة بأن القرابة لا تجدي ولا تفيد ـ كما سنشير إليه ـ وأنه لا بد في الإمام من جدارة وأهلية في مختلف الجهات، وعلى جميع المستويات.

ولقد كان على المأمون ـ لو صحت هذه الرواية ـ أن يغتنمها فرصة،

____________

(1) راجع: عيون الأخبار ج 2 ص 140، 141، طبع مصر سنة 1346، والعقد الفريد ج 5 ص 102، و ج 2 ص 386، طبع دار الكتاب العربي..

الصفحة 332
ويعلنها على الملأ، ويشهر بالإمام (عليه السلام)، ليسقطه ـ ومن ثم.. يسقط العلويين كلهم من أعين الناس.. ويسلبهم وإلى الأبد السلاح الذي كانوا يحاربونه ويحاربون آباءه به.. مع أن ذلك هو ما كان يبحث عنه المأمون ليل نهار، ويدبر المكايد، ويعمل الحيل، من أجله، وفي سبيله..

وعدا عن ذلك كله. كيف يمكن أن تنسجم هذه الرواية مع مواقف الإمام، وتصريحاته المتكررة حول مسألة الإمامة، وبأي شيء تثبت، وحول أوصاف الإمام ووظائفه، والتي لو أردنا استقصاءها لاحتجنا إلى عشرات الصفحات؟!.

وكذلك.. مع احتجاج الإمام (عليه السلام) على العلماء والمأمون في أكثر من مناسبة بالنص، وأيضاً مع موقفه (عليه السلام) في نيشابور؟!

اللهم إلا أن يكون أعلم أهل الأرض ـ باعتراف المأمون قد نسي حجته، وحجة آبائه، وكل من ينتسب إليهم، ويذهب مذهبهم..

تلك الحجة ـ التي عرفوا وكل المتشيعين لهم بها على مدى الزمان ـ نسيها ـ في تلك اللحظة فقط، لأن المأمون هو الذي يسأل، والرضا هو الذي يجيب!!.

وبعد، فهل يستطيع أن يشك في ذلك أحد.. وهو يرى رسالة الرضا، التي كتبها للمأمون تلبية لطلبه، وجمع له بها أصول الإسلام، والتي صرح فيها بالنص على علي (عليه السلام). بل وذكر فيها الأئمة الاثني عشر، الذين نص عليهم النبي (صلى الله عليه وآله) كلهم بأسمائهم، حتى من لم يكن قد ولد بعد منهم؟!. وهذه الرسالة مشهورة وقد أوردها واستشهد بها غير واحد من المؤرخين والباحثين(1).

____________

(1) وكان آخرهم الدكتور أحمد محمود صبحي في كتابه: نظرية الإمامة ص 388، وقال: إنها من المخطوطات الموجودة في دار الكتب المصرية تحت رقم 1258.

https://ahlalbayt12.7olm.org

Admin


Admin

وفيها يصف الإمام (عليه السلام) أئمة الهدى أدق وصف، وأروعه، وأوفاه.

بل إن المأمون نفسه كان يرى وجوب نصب الإمام من قبل الله كالنبي، كما يتضح من مناظرته الشهيرة لعلماء وقته، التي أوردها غير واحد من كتب التاريخ، والأدب، والرواية، وذكرها في العقد الفريد أيضاً قبل ذكره لهذه الرواية المفتعلة. وإن كان قد تصرف فيها [أي في المناظرة]، فحرف فيها، وحذف منها الكثير.. وأشار إليها أيضاً أحمد أمين في ضحى الإسلام ج 2 ص 57، وغيره..

فلماذا لا يلزمه الإمام بمقالته التي كان يلزم نفسه بها؟!. أم يمكن أن لا يكون مطلعاً على مقالة المأمون هذه، التي سار ذكرها في الآفاق؟!.

ويحسن بنا هنا أن ننبه إلى أن الاختلاف في نقل مثل هذه القضايا، حسب أهواء الناقلين لم يكن بالأمر الذي يخفى على أحد.

فقد رأينا: أن جواب أحمد بن حنبل في المحنة بخلق القرآن، يرويه كل من الشيعة، والمعتزلة، وأهل السنة بصور ثلاثة مختلفة، ومناظرة هشام لأبي الهذيل العلاف يروي المعتزلة أن الغلبة فيها كانت لأبي الهذيل، بينما يروي الشيعة، ويؤيدهم المسعودي(1) أن الغلبة فيها كانت لهشام. إلى غير ذلك من عشرات القضايا بل المئات..

ولكن الأمر هنا مختلف تماماً، إذ إن مختلق الرواية هنا قد غفل عن أن روايته المفتعلة تتنافى كلياً مع نظرة الأئمة (عليهم السلام) ورأيهم في الخلافة ومستحقها.. ويبدو أنه لم يكن مطلعا على الآراء المختلفة الشائعة آنذاك في مسألة الإمامة، ولذا نراه ينسب إلى الإمام (عليه السلام) رأياً لا يقول به، ولا يقره. وإنما هو يناسب رأي الشيعة الزيدية القائلين بإمامة ولد علي (عليه السلام) من فاطمة، بشرط أن يكون بليغاً، شجاعاً، عادلاً مجتهداً،

____________

(1) مروج الذهب ج 4 ص 21.

الصفحة 334
يخرج بالسيف ضد كل ظلم وانحراف إلخ.. وبأن إمامة علي (عليه السلام) قد ثبتت بالوصف والإشارة إليه، لا بالتصريح والنص عليه(1).

كما أنه غفل عن أن الذين كانوا يحتجون بالقرابة والإرث هم العباسيون، الذين كانوا إلى عصر المهدي ـ كما قدمنا ـ يدعون انتقال الخلافة إليهم عن طريق علي (عليه السلام)، ومحمد بن الحنفية، وفي عصر المهدي عدلوا عن ذلك، لما يتضمنه من اعتراف للعلويين، ورأوا أن يجعلوا إمامتهم عن طريق العباس وأبنائه.. وحاولوا تقوية هذه النحلة بكل وسيلة، وبذلوا من أجلها الأموال الطائلة للعلماء والفقهاء، والشعراء.

ولم يكن لتخفى على أحد أبيات مروان بن أبي حفصة المتقدمة:


هل تطمسون من السماء نجومها أو تسترون إلخ..


ولا قوله:


أنى يكون وليس ذلك بكائـــن لبني البنات وراثة الأعمـــام


وقد أجابه جعفر بن عفان المعاصر له. على هذا البيت بقوله:


ما للطليق وللتراث وإنمــــا صلى الطليق مخافة الصمصام(2)


وكيف يخفى كل ذلك على الإمام (عليه السلام)، خصوصاً بعد أن كان الجدل في هذا الموضوع قائماً على قدم وساق في زمن هارون، بل وفي زمن المأمون كما يظهر من قول ابن شكلة المتقدم:


فضجت أن نشد عــلى رؤوس تطالبها بميراث النبـــــي


____________

(1) مقدمة ابن خلدون ص 197 ر 198.

(2) مقتل الحسين للمقرم ص 119، والأغاني ج 9 ص 45، طبع ساسي، والأدب في ظل التشيع ص 201، وضحى الإسلام ج 3 ص 313، وقاموس الرجال ج 2 ص 393، وغير ذلك.

الصفحة 335
ومن قول القاسم بن يوسف وهي قصيدة طويلة فلتراجع(1).

إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه واستقصائه.. وبعد كل تلك الوقائع الشهيرة التي حدثت قبل خلافة المأمون، وأثناءها بالنسبة لدعوى العباسيين هذه، فلا يمكن أبداً أن تجري المحاورة بين أعلم أهل الأرض [باعتراف المأمون] وبين المأمون أعلم خلفاء بني العباس على هذا النحو من السذاجة والبساطة. اللهم إلا إذا كان أعلم أهل الأرض، لا يرى ولا يسمع، أو أنه كان يعيش في غير هذا العالم، أو في سرداب تحت هذا الأرض. واللهم إلا إذا كان القائل: ما للطليق وللتراث إلخ.. أعلم بالحجة للدعوى التي يدعيها أعلم أهل الأرض من مدعي الدعوى نفسه.. وهل لم يكن يحسن أن يقول للمأمون ـ لو سلم أنه احتج بالقرابة ـ: إن قرابة العباس لا تفيده، بعد أن تخلى عنها يوم الانذار. وبعد أن كان من الظالمين، الذين حرمهم الله من عهده. حيث قال تعالىSadولا ينال عهدي الظالمين). وبعد أن ترك الهجرة معه (صلى الله عليه وآله). وبعد أن حارب النبي (صلى الله عليه وآله) يوم بدر. وبعد جهله بالدين وأحكامه، ولقد قال سبحانهSadأفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع، أمن لا يهدي إلا أن يهدى، فما لكم كيف تحكمون..)(2). إلى آخر ما هنالك.

وأخيراً.. وبعد أن لم يبق مجال للشك في زيف هذه الرواية وافتعالها. فإننا نرى أن لنا كل الحق في أن نسجل هنا: أنه لم يخف علينا، ونأمل أن لا يخفى على أحد سر ذكر ابن عبد ربه هذه الرواية المزيفة المفتعلة، بعد ذكره لرواية احتجاج المأمون على علماء وقته في أفضلية علي (عليه السلام) على جميع الخلق، والتي تصرف فيها ما شاء له حقده ونصبه،

____________

(1) الأوراق للصولي ص 180، وقد تقدم شطر منها في بعض فصول هذا الكتاب.

(2) يونس آية 35.

الصفحة 336
الحذف والتحريف، فإنه ـ على ما يبدو ـ ليس إلا من أجل التشويش على تلك، وإبطال كل أثر لها، ظلماً للحقيقة، وتجنيا على التاريخ.

الموقف الثامن:

وأعتقد أنه أعظمها أثراً، وأعمها نفعاً، وهو ما كتبه (عليه السلام) على وثيقة العهد، التي كتبها المأمون بخط يده..

فإننا إذا ما رجعنا إليه نجد: أن كل سطر فيه، بل كل كلمة لها مغزى عميق، ودلالة هامة، تلقي لنا ضوءاً كاشفاً على خطته (عليه السلام) في مواجهة مؤامرات المأمون، وخططه، وأهدافه.

فلقد كان يعلم: أن هذه الوثيقة ستقرأ في مختلف الأقطار الإسلامية، ولذلك نراه (عليه السلام) قد اتخذها وسيلة لإبلاغ الأمة الحقيقة كل الحقيقة، وتعريفها بواقع نوايا وأهداف المأمون. وأيضاً تأكيد حق العلويين، وكشف المؤامرة التي تحاك ضدهم..

فبينما نراه (عليه السلام) يبدأ كلامه ـ فيما كتبه في الوثيقة المشارة إليها ـ بداية غير طبيعية، ولا مألوفة في مناسبات كهذه حيث قال: «الحمد لله الفعال لما يشاء، ولا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه..». لا يأتي بعدها بما يناسب المقام، ويتلائم مع سياق الكلام، من تمجيد الله، والثناء عليه على أن ألهم أمير المؤمنين! هذا الأمر.. بل نراه يأتي بعبارة غريبة، وغير متوقعة، ألا وهي قوله: (يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور..).

أفلا توافقني ـ قارئي العزيز ـ على أنه (عليه السلام) يريد أن يوجه أنظار الناس إلى أن الأمر ينطوي على خيانة مبيتة، وأن هناك صدوراً تخفي غير ما تظهر؟!..

ثم.. ألا توافقني على أن هذه العبارة تعريض بالمأمون
الصفحة 337
نفسه، من أجل تعريف الناس بحقيقة نواياه وأهدافه؟!. هذا مع علمه (عليه السلام) بأن هذه الوثيقة سوف ترسل إلى مختلف أقطار العالم الإسلامي، لتقرأ على الملأ العام، كما حدث ذلك بالفعل.

وإذا ما وصلنا إلى فقرة أخرى، مما كتبه (عليه السلام) على وثيقة العهد، فإننا نراه يقول: «.. وصلاته على نبيه محمد خاتم النبيين، وآله الطيبين الطاهرين..» فإننا إذا لاحظنا: أنه لم تجر العادة في الوثائق الرسمية في ذلك العهد بعطف «الآل» على «محمد»، ثم توصيفهم ب‍ «الطيبين الطاهرين» ـ نعرف أن هذا ليس إلا ضربة أخرى للخليفة المأمون، وهجوم آخر عليه، حيث إنه يتضمن التأكيد على طهارة أصل الإمام (عليه السلام)، وسنخه، ومحتده، وعلى أن الآل قد اختصوا بهذه المزية، وليس لكل من سواهم. حتى الخليفة المأمون، مثل هذا الشرف، ولا مثل تلك المزية..

ثم نراه (عليه السلام) يعقب ذلك بقوله: «.. إن أمير المؤمنين.. عرف من حقنا ما جهله غيره..».

فما هو ذلك الحق الذي جهله الذي كلهم، حتى بنو العباس، فيما عدا المأمون؟!.

فهل يمكن أن تكون الأمة الإسلامية قد أنكرت أنهم (عليهم السلام) أبناء بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟!. أليس ذلك منه (عليه السلام) إعلان للأمة بأسرها بأن المأمون لم يجعل له إلا ما هو حق له، وأنه لم يزد بذلك على أن أرجع الحق إلى أهله، بعد أن كان قد اغتصبه منهم الغاصبون، واعتدى عليهم به المعتدون؟!. بل أليس ذلك ضربة للمأمون نفسه، وأن خلافته ليست شرعية، ولا صحيحة، لأنه كآبائه مغتصب لحق غيره؟!.

نعم.. إن الحق الذي جهله الناس هو حق الطاعة. ولم يكن
الصفحة 338
الإمام (عليه السلام) يتقي المأمون، ولا غيره من رجال الدولة، في إظهار هذا الحق، وبيان أن خلافة الرسول (صلى الله عليه وآله) إنما كانت في علي (عليه السلام)، وولده الطاهرين، وأنه يجب على الناس كلهم طاعتهم، والانقياد لهم. وقد أعلن (عليه السلام) ذلك في نيشابور كما قدمنا.. ورأيناه يصرح به، ويطلب من الناس أن يعلم شاهدهم غائبهم به، في محضر من رجال الدولة في خراسان.

ففي الكافي: بسنده عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان، وعنده عدة من بني هاشم، وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: «يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم: أن الناس عبيد لنا!. لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط، ولا سمعته من آبائي قاله، ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكنني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة، موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب»(1).

وستأتي الإشارة إلى هذه الرواية مرة أخرى في الفصل الآتي.. وليتأمل في عبارته الأخيرة، فليبلغ إلخ.. وليلاحظ أيضاً أنه اختار لتوجيه خطابه: إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي!!.

وفي الكافي أيضاً بسنده عن معمر بن خلاد قال: سأل رجل فارسي أبا الحسن (عليه السلام)، فقال: طاعتك مفترضة؟ فقال: نعم. قال: مثل طاعة علي بن أبي طالب (عليه السلام)؟. قال: نعم(2).

والمراد بأبي الحسن هو الرضا (عليه السلام)، لأنه هو الذي كان في خراسان، وهو الذي يروي عنه معمر بن خلاد كثيراً.. ومثل ذلك كثير لا مجال لتتبعه.

____________

(1) الكافي ص 187، وأمالي المفيد ص 148 ط النجف وأمالي الطوسي ج 1 ص 21، ومسند الإمام الرضا (عليه السلام) ج 1 ص 96.

(2) الكافي: ج 1 ص 187، والاختصاص 278، ومسند الإمام الرضا ج 1 ص 103 عنه.

الصفحة 339
ويقول (عليه السلام) في وثيقة العهد، بعد تلك العبارة مباشرة: «.. فوصل أرحاماً قطعت، وآمن أنفساً فزعت، بل أحياها وقد تلقت، وأغناها إذا افتقرت».

وهو كما ترى.. في حين يشكر المأمون، ويكتب تحت اسمه: «بل جعلت فداك» [حسب رواية الإربلي فقط]، لا ينسى أن يشوب ذلك بالازراء ضمناً على آبائه العباسيين. ويذكر بما اقترفوه في حق العلويين، حيث كانوا يلاحقونهم تحت كل حجر ومدر، ويطلبونهم في كل سهل وجبل، كما قدمنا..

هذا.. ولا بأس أن نقف قليلاً عند قوله: «وإنه جعل إلي عهده، والإمرة الكبرى ـ إن بقيت ـ بعده».

فإننا لا نكاد نتردد في أنه (عليه السلام) يشير بقوله: إن بقيت بعده إلى ذلك الفارق الكبير بالسن بينه (عليه السلام)، وبين المأمون، وأنه يتعمد توجيه الأنظار إلى عدم طبيعية هذا الأمر، وإلى عدم رغبته فيه.

وإنه كان يريد أن يعرف الناس بأنه يتوقع في أن لا يدخر المأمون وسعاً من أجل التخلص منه، ولو بالاعتداء على حياته (عليه السلام)، فيما لو سنحت له الفرصة لذلك، بعد أن يكون قد حقق كل ما كان يريد تحقيقه، ووصل إلى ما كان يطمح إلى الوصول إليه، حيث لا بد حينئذ أن «يحل العقدة التي أمر الله بشدها». ولا بد أيضاً أن تنكشف خيانته للملأ، ويظهر ما يخفيه في صدره، على حد تعبيره (عليه السلام).. وإلا فما هو الداعي له (عليه السلام) لإقحام هذا الشرط ـ إن بقيت ـ في أثناء مثل هذا الكلام.

وإننا إذا نظرنا بعمق إلى قوله بعد ذلك: فمن حل عقدة أمر الله بشدها، وفصم عروة أحب الله إيثاقها.. «.. وتأملنا قوله السابق:

الصفحة 340
يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور. وقوله اللاحق: لكنني امتثلت أمر أمير المؤمنين، وآثرت رضاه.. فلسوف نعرف: أنه (عليه السلام) يعرض هنا بالمأمون نفسه، ويقول الناس جميعاً: إنه لا يشك في أن المأمون سوف ينقض العهد، ويحل العقدة.

ويلاحظ هنا أيضاً: أنه وصف هذه العقدة بأنها مما أمر الله بشده، وأحب إيثاقه.. وهذا لعله لا يختلف عما كان (عليه السلام) يردده، ويؤكد عليه كثيراً، ونص عليه آنفاً، وهو أن المأمون لم يجعل له إلا الحق الذي جهله غيره، واغتصبه هو وآباؤه، منه (عليه السلام) ومن آبائه..

وإذا ما وصلنا إلى قوله (عليه السلام): «.. بذلك جرى السالف، فصبر منه على الفلتات، ولم يعترض بعدها على العزمات، خوفاً من شتات الدين، واضطراب حبل المسلمين، ولقرب أمر الجاهلية الخ..».

فإننا نراه كأنه يستشهد لإطاعته المأمون، وعدم إصراره على الرفض الموجب لتعريض نفسه، والعلويين، وشيعته لهلاك، والاضطهاد ـ يستشهد لذلك ـ بما جرى لسالفه: وهو أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، حيث صبر على الفلتات(1) التي كانت من خلفاء عصره، ولم يعترض (عليه السلام) على ما كانوا قد عقدوا العزم عليه، من المضي قدما في مخططاتهم، التي كانت تستهدف إبعاده عن مسرح السياسة، وتكريس الأمر الواقع، وتثبيته، لأنه يخدم مصالحهم، ويرضي مطامحهم.

ـ لم يعترض علي (عليه السلام) على ذلك ـ لأنه خاف من شتات الدين،

____________

(1) ومن المحتمل جداً أنه (عليه السلام): يشير إلى تعبير عمر ـ كانت بيعة أبي بكر فلتة إلخ ـ ولكنه عمم الكلام بحيث يشمل غير بيعة أبي بكر أيضاً، باعتبار أن بيعة عمر وعثمان، ومعاوية وغيرها، كانت أيضاً من الفلتات، أو باعتبار تفرعها على بيعة أبي بكر التي كانت فلتة..

الصفحة 341
واضطراب حبل المسلمين، ولقرب أمر الجاهلية.. وهذا مما قد نص عليه علي (عليه السلام) نفسه في أكثر من مورد، وأكثر من مناسبة، قال (عليه السلام): «.. وأيم الله، لولا مخافة الفرقة بين المسلمين، وأن يعود الكفر، ويبور الدين، لكنا على غير ما كنا لهم عليه..»، ويقول: «إن الله لما قبض نبيه، استأثرت علينا قريش بالأمر، ودفعتنا عن حق نحن أحق به من الناس كافة، فرأيت أن الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين، وسفك دمائهم، والناس حديثوا عهد بالإسلام، والدين يمخض مخض الوطب، يفسده أدنى وهن، ويعكسه أدنى خلف..»(1).

وهكذا تمام كان الحال بالنسبة للإمام الرضا (عليه السلام)، حفيد علي (عليه السلام)، ووارثه، الذي كان زمانه لا يبعد حال الناس فيه على حال الجاهلية، فإنه آثر أن يصبر على هذه المحنة، خوفاً من شتات الدين، واضطراب حبل المسلمين، وذلك بتعريض نفسه، وشيعته، والعلويين للهلاك، أو على الأقل للاضطهاد، الأمر الذي سوف تكون له أسوأ النتائج على الدين والأمة، كما قلنا..

وإذا ما قرأنا بعد ذلك قوله (عليه السلام): «.. وقد جعلت الله على نفسي، ـ إن استرعاني على المسلمين، وقلدني خلافته ـ العمل فيهم عامة، وفي بني العباس بن عبد المطلب خاصة، بطاعة الله، وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله)..».. فإن ما يسترعي انتباهنا هو تنصيصه على بني العباس خاصة وأنه سوف يعمل فيهم بطاعة الله، ورسوله.. «فلا يسفك دماً حراماً، ولا يبيح فرجاً ولا مالاً، إلا ما سفكته حدوده، وأباحته فرائضه إلخ.».

فإن هذا التنصيص إنما هو في مقابل «الأرحام التي قطعت، وفزعت،

____________

(1) راجع شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 307، 308 وغير ذلك.

الصفحة 342
وتلفت، وافتقرت..»، من العلويين، على يد بني العباس، الذين فعلوا بهم. أكثر من فعل بني أمية معهم، حسبما قدمنا.

وتعهده والتزامه بأن يعمل في المسلمين عامة. وفي بني العباس خاصة، بطاعة الله، وسنة ورسوله.. هو التزام بنفس الخط الذي التزم به علي (عليه السلام)، وتعهد بانتهاجه. الأمر الذي كان سبباً في إبعاده عن الخلافة في الشورى، واضطلاع عثمان بها. بل كان ذلك هو السبب في إبعاده عنها، بالنسبة لما قبل ذلك أيضاً، وما جرى بعده.

وعلي (عليه السلام) هو نفس ذلك الذي استشهد به آنفاً، وبين أنه صبر على الفلتات، ولم يعترض على العزمات خوفاً من شتات الدين إلخ.. والالتزام بخط علي (عليه السلام) لن يرضي المأمون، والعباسيين، والهيئة الحاكمة، ولن يكون في مصلحتهم، حسبما المحنا إليه في فصل: جدية عرض الخلافة..

كما أننا لا نستبعد كثيراً: أنه (عليه السلام) يريد أن ينبه على مدى التفاوت بين المنطلقات لسياسات أهل البيت، ومنطلقات سياسات خصومهم، التي عرفت جانباً منها في القسم الأول من هذا الكتاب.

ومن هنا نعرف السر في قوله (عليه السلام): «.. وأن أتخير الكفاة جهدي وطاقتي..» فإنه إشارة إلى أنه (عليه السلام) سوف ينطلق في كل نصب وعزل ـ تماماً كالإمام علي (عليه السلام) ـ من مصلحة الأمة، وعلى وفق رضا الله، وتعاليم رسوله. لا من مصالح شخصية، أو اعتبارات سياسية، أو قبلية، أو غير ذلك من الاعتبارات، التي لا يعترف بها الإسلام، ولا يقيم لها وزناً.

وإذا ما قرأنا قوله (عليه السلام): «.. وإن أحدثت، أو غيرت، أو بدلت، كنت للغير مستحقاً، وللنكال متعرضاً، وأعوذ بالله من سخطه إلخ.».

الصفحة 343
فإننا ندرك للتو أنه (عليه السلام) يريد ضرب العقيدة، التي كان قد شجعها الحكام، وروج لها علماء السوء.. من أن الخليفة، بل مطلق الحاكم في منأى ومأمن من أي مؤاخذة، أو عقاب، مهما اقترف من جرائم، وأتاه من موبقات، فهو فوق القانون، ولا يجوز لأحد الخروج، أو الاعتراض عليه، في أي ظرف من الظروف والأحوال، حتى ولو رمى القرآن بالنبل، وقتل ابن بنت رسول الله، فضلاً عما عدا ذلك من الجرائم والموبقات..

والإمام.. الذي يعرف كيف كانت سيرة المأمون، وسائر خلفاء بني العباس، ومن لف لفهم، والتي عرفت فيما تقدم طرفاً منها، والذين كانوا يتمتعون بهذه الحصانة الزائفة.. قد أراد أن يوجه ضربة قاضية لهم جميعا، حتى للمأمون. وأشياعه، وكل من كان الطواغيت والظلمة على شاكلتهم، ويبين لهم. وللملأ أجمع: أن الحاكم حارس للنظام والقانون، ولا يمكن أن يكون فوق النظام والقانون، ولذا فلا يمكن أن يكون في منأى عن العقاب والقصاص، لو ارتكب أي جريمة، أو اقترف أية عظيمة.

فالمأمون، وآباؤه، وأشياعهم، كانوا يضحون بكل شيء في سبيل أنفسهم، ومصالحهم الشخصية، ويقترفون كل عظيمة في سبيل تدعيم حكمهم، وتقوية سلطانهم.. أما الإمام (عليه السلام) فهو مستعد لأن يقدم نفسه ـ إن اقتضى الأمر ـ للعقاب والنكال، عند صدور أية مخالفة، وحصول أي تجاوز عما يرضي الله تعالى، وعن سنة رسوله.

وبعد كل ما تقدم.. نراه يعبر عن عدم رضاه بهذا الأمر، وعدم تهالكه عليه، لعلمه بعدم تماميته له، ويقول بصريح العبارة: إنه أمر لا يتم، لأن «.. الجفر والجامعة يدلان على ضد ذلك». كما أن في هذا تنويه مهم منه (عليه السلام) بذكر الركن الثاني من أركان إمامة أئمة
الصفحة 344
أهل البيت (عليهم السلام)، وهو أن الله تعالى اختصهم بأمور غيبية، وعلوم لدنية، منعها عن سائر الناس، وهذان الكتابان: الجفر، والجامعة، هما من الكتب التي أملاها رسول الله (صلى الله عليه وآله) على علي أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكتبها بخط يده، وقد أظهر الأئمة (عليهم السلام) بعض هذه الكتب التي بخط علي (عليه السلام)، وبإملاء الرسول (صلى الله عليه وآله) لعدة من كبار شيعتهم، واستشهدوا بها في موارد عديدة في الأحكام(1).

وفي الحقيقة.. إن الإمام (عليه السلام)، وإن قبل ولاية العهد مكرها من المأمون.. ولكنه يريد بكلامه هذا، واستشهاده بالجفر والجامعة أن يقول له، ولكل من كان على شاكلته بصريح العبارة: «.. قد أنبأنا الله بأخباركم، وسيرى الله عملكم. ورسوله، والمؤمنون، وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبؤكم بما كنتم تعملون، ويجزيكم على ظلمكم وبغيكم علينا، وانتهاككم الحرمات منا، ولعبكم بدمائنا وأعراضنا، وأموالنا».

ثم نراه يترقى في صراحته، حيث يقول: «.. لكنني امتثلت أمر أمير المؤمنين، وآثرت رضاه..» أي أنه لو لم يقبل بهذا الأمر لتعرض لسخط المأمون.. والكل يعلم ماذا كان يعني سخط أولئك الحكام، الذين كانوا لا يحتاجون إلى أي مبرر لاقترافهم أي جريمة. وإقدامهم على أي عظيمة.

وأخيراً.. ورغم أن المأمون قد تقدم منه (عليه السلام) وطلب منه أن يشهد الله، والحاضرين على نفسه.. نراه يأبى أن يكون المأمون، ولا أي من الحاضرين شاهداً على نفسه، ولا جعل لهم على نفسه سبيلا، لأنه

____________

(1) راجع: كتاب مكاتيب الرسول ج 1 من ص 59 حتى ص 89، فقد أسهب القول حول هذه الكتب، واستشهادات الأئمة بها، وغير ذلك.

الصفحة 345
كان يعلم بما كانت تكنه صدورهم. وتضطرم به قلوبهم عليه. بل جعل الله فقط شهيداً عليه، واستعان بالآية الكريمة، التي تقطع الطريق على كل أحد، وتكتفي بالله شهيداً، حيث قال: «وأشهدت الله على نفسي(وكفى بالله شهيداً)».

وإذا كان لا بد من كلمة:

وإذا كان لا بد في نهاية المطاف من كلمة، فإننا نقول: إن أولئك الذين عاشوا في تلك الفترة، ووقفوا على الظروف والملابسات التي اكتنفت هذا الحدث التاريخي الهام ـ إن هؤلاء ولا شك ـ كانوا أقدر منا على فهم جميع ما كان يرمي إليه الإمام (عليه السلام) من كل كلمة، كلمة، مما كتبه على وثيقة العهد..

وإذا كان هناك من يرى: أن بعض الفقرات تحتمل غير ما قلناه..

فإننا نرى: أن كون بعض الفقرات الأخرى لا يحتمل غير ما قلنا، وأيضاً بما أن ما ذكرناه هو الذي يساعد على الجو العام. الذي توحي به النصوص التاريخية الكثيرة جداً، والتي قدمنا وسيأتي شطر منها ـ إن ذلك ـ وهو ما يجعلنا نجزم بأن ما فهمناه هو بعض ما كان يرمي إليه (عليه السلام) مما كتبه على وثيقة العهد.

ملاحظات هامة:

إن من الأمور الغريبة حقاً أن نرى نفس الخليفة يكتب وثيقة العهد ـ الطويلة جداً! ـ بخط يده.. وأغرب منه أنه تقدم إلى الإمام (عليه السلام)، وقال له: «اكتب خطك بقبول هذا العهد. وأشهد الله والحاضرين عليك،
الصفحة 346
بما تعده في حق الله ورعاية المسلمين»(1).

وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على مدى أهمية هذا الأمر بالنسبة إلى المأمون، وأنه يريد تطويق هذا الموضوع من جميع جهاته، وإن استلزم ذلك كل تلك الأمور، وإلا.. فما هو الداعي لأن يكتب له العهد بخط يده!! ثم أن يتقدم إليه بنفسه!!. ثم ما الداعي لأن يطلب من الإمام ذلك!!.

هذا.. ولا بأس أيضاً بملاحظة تعبير المأمون ب‍ «قبول»!!. ثم ملاحظة أنه طلب منه أن يكتب هذا القبول ب‍ «خط يده»!!. ثم طلب منه أن يشهد الله والحاضرين على نفسه!!.

حقا.. إنها للعبقرية السياسية:

وعلى كل حال.. فلا شك أن المحاورات السياسية تعتبر من الصنايع المستظرفة،، وذلك لما تتضمنه من تعريضات، وكنايات، حسبما تفرضه الاتجاهات السياسية، التي يلتزم بها المتحاورون..

ولذا.. نلاحظ أنه (عليه السلام).. وإن كان يضمن كلامه الشكر للمأمون، بل ويكتب تحت اسمه ـ حسب رواية الإربلي فقط ـ: «بل جعلت فداك. ولكنه يبطن كلامه، ويضمنه تعريضات عميقة، بلهجة معتدلة، لا عنف فيها».

وذلك يعني: أن الإمام (عليه السلام) لم يتنازل عن مبدئه، ولا حاد عن نهجه، الذي اختطه لنفسه، بوحي من رسالة الله، وتعاليم محمد (صلى الله عليه وآله)، وخطى جده علي (عليه السلام).. لم يحد عنه قيد شعرة، ولا هاون فيه، ولا حابى أحداً، حتى في هذا الموقف.

____________

(1) مآثر الإنافة ج 2 ص 332.

الصفحة 347
ولعمري.. لو كان ما كتبه الإمام الرضا (عليه السلام) على وثيقة العهد من شخص عادي آخر، لكان يقال عنه الشيء الكثير تعظيماً وتبجيلاً، حيث إنه لم يضل عن خطته التي اختطها لنفسه، ولا حاد عن نهجه قيد أنملة.. مع أن المأمون كان قد فاجأه بطلب الكتابة على الوثيقة، ولم يكن هو مستعداً، ولا متوقعا لذلك، لأن العادة لم تكن قد جرت على ذلك..

وهذا ولا شك مما يزيد من عظمة الإمام، ويعلي من شأنه، ويستدعي المزيد من التعظيم والتبجيل له.

ولكن الحقيقة هي: أنه ـ وهو الإمام المعصوم ـ غني عن كل تلكم التقريظات، وعن ذلكم التعظيم والتبجيل..

الموقف التاسع:

شروطه (عليه السلام) على المأمون لقبول ولاية العهد، وهي:

«أن لا يولي أحداً، ولا يعزل أحداً، ولا ينقض رسماً، ولا يغير شيئاً مما هو قائم، ويكون في الأمر مشيراً من بعيد»(1)، فأجابه المأمون إلى ذلك كله!!!.

وفي ذلك تضييع لجملة من أهداف المأمون.. إذ إن:

____________

(1) الفصول المهمة، لابن الصباغ المالكي ص 241، ونور الأبصار من ص 143، وعيون أخبار الرضا ج 1 ص 20، و ج 2 ص 183، ومواضع أخرى، ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 363، وعلل الشرايع ج 1، ص 238، وإعلام الورى ص 320، والبحار ج 49 ص 34 و 35، وغيرها، وكشف الغمة ج 3 ص 69، وإرشاد المفيد ص 310، وأمالي الصدوق ص 43، وأصول الكافي ص 489، وروضة الواعظين ج 1 ص 268، 269، ومعادن الحكمة ص 180، وشرح ميمية أبي فراس ص 165.

الصفحة 348
1 ـ السلبية تعني الاتهام:

فإن من الطبيعي أن تثير سلبيته هذه الكثير من التساؤلات لدى الناس، ولسوف تكون سبباً في وضع علامات استفهام كبيرة، حول الحكم، والحكام. وكل أعمالهم وتصرفاتهم، إذ إن السلبية إنما تعني: أن نظام الحكم لا يصلح حتى للتعاون معه، بأي نحو من أنحاء التعاون، وإلا فلماذا يرفض ـ حتى ولي العهد ـ التعاون مع نظام هو ولي العهد فيه، ويأبى التأييد لأي من تصرفاته وأعماله؟!.

2 ـ رفض الاعتراف بشرعية ذلك النظام:

ولقد قدمنا: أن من جملة أهداف المأمون هو أن يحصل من الإمام (عليه السلام) على اعتراف ضمني بشرعية حكمه وخلافته، كما صرح هو نفسه بذلك «وليعترف بالملك، والخلافة لنا».

والإمام.. بشروطه تلك يكون قد رفض الاعتراف بشرعية النظام القائم. بأي نحو من أنحاء الاعتراف، ولم يعد قبوله بولاية العهد يمثل اعترافا بذلك، ولا يدل على أن ذلك الحكم يمثل الحكم الإسلامي الأصيل.

هذا.. وقد عضد شروطه هذه، بسلوكه السلبي مع المأمون، والهيئة الحاكمة، طيلة فترة ولاية العهد، يضاف إلى ذلك تصريحاته المتكررة، التي تحدثنا عنها فيما سبق.

3 ـ النظام القائم لا يمثل وجهة نظره في الحكم:

والأهم من كل ذلك: أن شروطه هذه كانت بمثابة الرفض القاطع لتحمل المسؤولية عن أي تصرف يصدر من الهيئة الحاكمة. وليس
الصفحة 349
للناس ـ بعد هذا ـ أن ينظروا إلى تصرفات وإعمال المأمون وحزبه، على أنه تحظى برضى الإمام (عليه السلام) وموافقته. ولا يمكن لها ـ من ثم ـ أن تعكس وجهة نظره (عليه السلام) في الحكم ورأيه في أساليبه، التي هي في الحقيقة وجهة نظر الإسلام الصحيح فيه. الإسلام. الذي يعتبر الأئمة (عليه السلام) الممثلين الحقيقيين له، في سائر الظروف، ومختلف المجالات..

وانطلاقاً مما تقدم: نراه (عليه السلام) يرفض ما كان يعرضه عليه المأمون، من: كتابة بتولية أو عزل إلى أي إنسان.. ويرفض أيضاً: أن يؤم الناس في الصلاة مرتين.. إلى آخر ما سيأتي بيانه.

وفي كل مرة كان يرفض فيها مطالب المأمون هذه نراه يحتج عليه بشروطه تلك، فلا يجد المأمون الحيلة لما يريده، وتضيع الفرصة من يده، ولا بد من ملاحظة: أنه عندما أصر عليه المأمون بأن يؤم الناس في الصلاة، ورأي (عليه السلام): أنه لا بد له من قبول ذلك ـ نلاحظ ـ: أنه اشترط عليه أن يخرج كما كان يخرج جده رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لا كما يخرج الآخرون..

ولم يكن المأمون يدرك مدى أهمية هذا الشرط، ولا عرف أهداف الإمام من وراء اشتراطه هذا، فقال له ولعله بدون اكتراث: أخرج كيف شئت.. وكانت نتيجة ذلك.. أنه (عليه السلام) قد أفهم الناس جميعاً:

أن سلوكه وأسلوبه، وحتى مفاهيمه، تختلف عن كل أساليب ومفاهيم وسلوك الآخرين. وأن خطه هو خط محمد (صلى الله عليه وآله)، ومنهاجه هو منهاج علي (عليه السلام)، ربيب الوحي، وغذي النبوة، وليس هو خط المأمون وسواه من الحكام، الذين اعتاد الناس عليهم، وعلى تصرفاتهم وأعمالهم.

ولم يعد يستطيع المأمون، أن يفهم الناس: أن الحاكم: من كان، ومهما كان، هذا هو سلوكه، وهذه هي تصرفاته. وأن كل شخصية: من ومهما كانت، وإن كانت قبل أن تصل إلى الحكم تتخذ العدل،
الصفحة 350
والحرية: والمساواة، وغير ذلك شعارات لها، إلا أنها عندما تصل إلى الحكم، لا يمكن إلا أن تكون قاسية ظالمة، مستأثرة بكل شيء، ومستهترة بكل شيء، ولذا فليس من مصلحة الناس أن يتطلعوا إلى حكم أفضل مما هو قائم، حتى ولو كان ذلك هو حكم الإمام (عليه السلام) المعروف بعلمه وتقواه وفضله الخ.. فضلاً عن غيره من العلويين أو من غيرهم ـ لم يعد يستطيع أن يقول ذلك ـ لأن الواقع الخارجي قد أثبت عكس ذلك تماماً، إذ قد رأينا: كيف أن الإمام (عليه السلام) بشروطه تلك، وبسائر مواقفه من المأمون ونظام حكمه.. يضيع على المأمون هذه الفرصة، ولم تجده محاولاته فيما بعد شيئاً، بل إن كثيراً منها كان سوءا ووبالاً عليه، كما سيأتي.

4 ـ لا مجال بعد للمأمون لتنفيذ مخططاته:

ولعل من الواضح: أن شروطه تلك قد مكنته من أن يقطع الطريق على المأمون، ولا يمكنه من استغلال الظروف لتنفيذ بقية حلقات مؤامرته، إذ لم يعد بإمكانه أن يصر على الإمام أن يقوم بأعمال تنافي وتضر بقضيته هو، وقضية العلويين، ومن ثم تؤثر على الأمة بأسرها.. وعدا عن ذلك فإن هذه الشروط، قد حفظت له (عليه السلام) حياته في حمام سرخس، حيث كان المأمون قد حاك مؤامرته للتخلص من وزيره وولي عهده مرة واحدة، كما سيأتي بيانه.. مما يعني أن سلبيته (عليه السلام) مع النظام كانت أمراً لابد منه، إذا أراد أن لا يعرض نفسه إلى مشاكل، وأخطار هو في غنى عنها.. والذي أمن له هذه السلبية ليس إلا شروطه تلك، التي جعلت من لعبة ولاية العهد لعبة باهتة مملة لا حياة فيها، ولا رجاء..

الصفحة 351
ولعل الأهم من كل ذلك.. أنها ضيعت على المأمون الكثير من أهدافه من البيعة، التي صرح الإمام (عليه السلام) أنه كان عارفاً بها، ولم يكن له خيار في تحملها، والصبر عليها، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

وعدا عن ذلك كله أن تعاونه مع النظام إنما يعني أن يحاول تصحيح السلوك، وتلافي الأخطاء، التي كان يقع فيها الحكم، والهيئة الحاكمة. وذلك معناه أن ينقلب جهاز الحكم كله ضد الإمام، ويجد المأمون ـ من ثم ـ العذر، والفرصة لتصفيته (عليه السلام) من أهون سبيل، فشروطه تلك أبعدت عنه الخطر ـ إلى حد ما ـ الذي كان يتهدده من قبل المأمون وأشياعه، وجعلته ـ كما قلنا ـ في منأى ومأمن من كل مؤامراتهم ومخططاتهم.

5 ـ الإمام.. لا ينفذ إرادات الحكم:

ولعل من الأهمية بمكان.. أن نشير إلى أنه (عليه السلام) كان يريد بشروطه تلك أن يفهم المأمون: أنه ليس على استعداد لتنفيذ إرادات الحكم، والحاكم، ولا على استعداد لأن يقتنع بالتشريفات، والأمور الشكلية، فإنه.. بصفته القائد والمنقذ الحقيقي للأمة، لا يمكن أن يرضى بديلاً عن أن ينقذ الأمة، ويرتفع بها من مستواها الذي أوصلها إليه الطواغيت والظلمة، الذين جلسوا في مكان رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأوصيائه (عليهم السلام)، وحكموا بغير ما أنزل الله.

إنه يريد أن يخدم الأمة، ويحقق لها مكاسب تضمن لها الحياة الفضلى، والعيش الكريم، ولا يريد أن يخدم نفسه، ويحقق مكاسب شخصيته على حساب الآخرين، ولذلك فهو لا يستطيع أن يقتنع بالسطحيات والشكليات التي لا تسمن، ولا تغني من جوع..

الصفحة 352
6 ـ لا زهد أكثر من هذا:

إنه مضافاً إلى أن مجرد رفض الإمام كلا عرضي المأمون: الخلافة، وولاية العهد، دليل قاطع على زهده فيه. فإن هذه الشروط كان لها عظيم الفائدة، وجليل الأثر في الإظهار لكل أحد أن الإمام ليس رجل دنيا، ولا طالب جاه ومقام. وما أراده المأمون من إظهار الإمام على أنه لم يزهد بالدنيا، وإنما الدنيا هي التي زهدت فيه.. لم يكن إلا هباء اشتدت به الريح في يوم عاصف.. ولم تفلح بعد محاولات المأمون وعمله الدائب، من أجل تشويه الإمام والنيل من كرامته.

ولقد قدمنا: أن الإمام (عليه السلام) قد واجه نفس المأمون بحقيقة نواياه، وأفهمه أن خداعه لن ينطلي عليه، ولن تخفى عليه مقاصده، ولذا فإن من الأفضل والأسلم له أن يكف عن كل مؤامراته ومخططاته.. وإلا فإنه إذا ما أراد إجبار الإمام على التعاون معه، فلسوف يجد أنه (عليه السلام) على استعداد لفضحه، وكشف حقيقته وواقعه أمام الملأ، وإفهام الناس السبب الذي من أجله يجهد المأمون ليزج بالإمام (عليه السلام) في مجالات لا يرغب، بل واشترط عليه أن لا يزج فيها ـ كما فعل في مناسبات عديدة ـ الأمر الذي لن يكون أبداً في صالح المأمون، ونظام حكمه..

ومن هنا رأيناه (عليه السلام) يجيب الريان عندما سأله عن سر قبوله بولاية العهد، وإظهاره الزهد بالدنيا ـ يجيبه ـ: ببيان أنه مجبر على هذا الأمر، ويذكره بالشروط هذه، التي يعني أنه قد دخل فيه دخول خارج منه، كما تقدم..

وهكذا.. وبعد أن كان (عليه السلام) سلبياً مع النظام، وبعد رفضه لكلا عرضي المأمون، وبعد أن اشترط هذه الشروط للدخول في ولاية العهد، فليس من السهل على المأمون، ولا على أي إنسان آخر أن ينسب
الصفحة 353
إليه (عليه السلام): أنه رجل دنيا فقط، وأنه ليس زاهدا في الدنيا، وإنما هي التي زهدت فيه.

وعلى كل حال: ورغم كل محاولات المأمون تلك.. فقد استطاع الإمام (عليه السلام)، بفضل وعيه، ويقظته، وإحكام خطته: أن يبقى القمة الشامخة للزهد، والورع، والنزاهة، والطهر، وكل الفضائل الإنسانية، وإلى الأبد.

الموقف العاشر:

موقفه (عليه السلام) في صلاتي العيد.. ففي إحداهما:

«بعث المأمون له يسأله: أن يصلي بالناس صلاة العيد، ويخطب، لتطمئن قلوب الناس، ويعرفوا فضله، وتقر قلوبهم على هذه الدولة المباركة، فبعث إليه الرضا (صلى الله عليه وآله)، وقال: قد علمت ما كان بيني وبينك من الشرط في دخولي في هذا الأمر، فاعفني من الصلاة بالناس، فقال المأمون: إنما أريد بهذا أن يرسخ في قلوب العامة، والجند، والشاكرية هذا الأمر، فتطمئن قلوبهم، ويقروا بما فضلك الله تعالى به..

ولم يزل يراده الكلام في ذلك. فلما ألح عليه قال: يا أمير المؤمنين، إن أعفيتني من ذلك، فهو أحب إلي، وإن لم تعفني خرجت كما كان يخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكما خرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال المأمون: أخرج كيف شئت..

وأمر المأمون القواد، والحجاب، والناس: أن يبكروا إلى باب أبي الحسن (عليه السلام)، فقعد الناس لأبي الحسن في الطرقات، والسطوح: من الرجال، والنساء، والصبيان، وصار جميع القواد، والجند إلى بابه (عليه السلام)، فوقفوا على دوابهم حتى طلعت الشمس.

الصفحة 354
فلما طلعت الشمس قام الرضا (عليه السلام) فاغتسل، وتعمم بعمامة بيضاء من قطن، وألقى طرفاً منها على صدره، وطرفاً بين كتفيه، ومس شيئاً من الطيب، وتشمر. ثم قال لجميع مواليه: افعلوا مثل ما فعلت.

ثم أخذ بيده عكازة، وخرج، ونحن بين يديه، وهو حاف قد شمر سراويله إلى نصف الساق، وعليه ثياب مشمرة..

فلما قام، ومشيناً بين يديه، رفع رأسه إلى السماء، وكبر أربع تكبيرات، فخيل إلينا: أن الهواء والحيطان تجاوبه، والقواد والناس على الباب، قد تزينوا، ولبسوا السلاح، وتهيأوا بأحسن هيئة..

فلما طلعنا عليهم بهذه الصورة: حفاة، قد تشمرنا. وطلع الرضا وقف وقفة على الباب، وقال: «.. الله أكبر، الله أكبر على ما هدانا، الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام، والحمد لله على ما أبلانا». ورفع بذلك صوته، ورفعنا أصواتنا.

فتزعزعت مرو بالبكاء، فقالها: ثلاث مرات، فلما رآه القواد والجند على تلك الصورة، وسمعوا تكبيره سقطوا كلهم من الدواب إلى الأرض، ورموا بخفافهم، وكان أحسنهم حالاً من كان معه سكين قطع بها شرابة جاجيلته ونزعها، وتحفى.. وصارت مرو ضجة واحدة، ولم يتمالك الناس من البكاء والضجة.

فكان أبو الحسن يمشي، ويقف في كل عشر خطوات وقفة يكبر الله أربع مرات: فيتخيل إلينا: أن السماء، والأرض، والحيطان تجاوبه.

وبلغ المأمون ذلك، فقال له الفضل بن سهل ذو الرئاستين: يا أمير المؤمنين: إن بلغ الرضا المصلى على هذا السبيل افتتن به الناس، وخفنا كلنا على دمائنا، فالرأي أن تسأله أن يرجع..

فبعث المأمون إلى الإمام يقول له: إنه قد كلفه شططا، وأنه ما
الصفحة 355
كان يحب أن يتعبه، ويطلب منه: أن يصلي بالناس من كان يصلي بهم..

فدعا أبو الحسن بخفه، فلبسه، ورجع.

واختلف أمر الناس في ذلك اليوم، ولم ينتظم في صلاتهم إلخ..»(1).

ولقد قال البحري يصف هذه الحادثة والظاهر أنه يمين بن معاوية العائشي الشاعر على ما في تاج العروس:


ذكروا بطلعتك النبي، فهللــوا لما طلعت من الصفوف وكبروا
حتى انتهيت إلى المصلى لابساً نور الهدى يبدو عليك فيظهـر
ومشيت مشية خاشع متواضـع لله، ولا يزهى، ولا يتكبـــر
ولوان مشتاقا تكلف غير مــا في وسعه لمشى إليك المنبر(2)


ومما يلاحظ هنا: أنه في هذه المرة أرسل إليه من يطلب منه أن يرجع. ولكننا في مرة أخرى نراه يسارع بنفسه، ويصلي بالناس، رغم تظاهره بالمرض..

وعلى كل حال.. فإننا وإن كنا قد تحدثنا في هذا الفصل، وفي فصل: ظروف البيعة وسنتحدث فيما يأتي عن بعض ما يتعلق بهذه الرواية، إلا أننا سوف نشير هنا إلى نقطتين فقط.. وهما:

____________

(1) قد ذكرنا بعض مصادر هذه الرواية في فصل: ظروف البيعة.. فراجع..

(2) مناقب آل أبي طالب. لابن شهرآشوب ج 4 ص 372، ولكن هذا الشعر ينسب أيضاً للبحتري في المتوكل عندما خرج لصلاة العيد.. وانتحال الشعر، وكذلك الاستشهاد بشعر الآخرين، في المواضع المناسبة ظاهرة شائعة في تلك الفترة ومن يدري فلعل الشعر للبحتري ونسب للبحري أو لعله للبحري وانتحله أو نسب للبحتري، ولعل البحتري قد صحف وصار: البحري.. ولعل العكس.

https://ahlalbayt12.7olm.org

Admin


Admin

ـ الأثر العاطفي، والقاعدة الشعبية:

فنلاحظ: أننا حتى بعد مرور اثني عشر قرنا على هذه الواقعة، لا نملك أنفسنا ونحن نقرأ وقائعها، من الانفعال والتأثر بها، فكيف إذن كانت حال أولئك الذين قدر لهم أن يشهدوا ذلك الموقف العظيم؟!.

وغني عن البيان هنا: أن شأن هذه الواقعة هو شأن واقعة نيشابور، من حيث دلالتها دلالة قاطعة على كل ما كان للرضا من عظمة وتقدير في نفوس الناس وقلوبهم، وعلى مدى اتساع القاعدة الشعبية له (عليه السلام)..

2 ـ لماذا يجازف المأمون بإرجاعه (عليه السلام):

وإذا كان هدف المأمون من الاصرار على الإمام بأن يصلي بالناس هو أن يخدع الخراسانيين والجند والشاكرية، ويجعلهم يطمئنون على دولته المباركة فإنه من الواضح أيضاً أن إرجاع المأمون للإمام (عليه السلام) في مثل تلك الحالة، وذلك التجمع الهائل، وتلك الثورة العاطفية في النفوس، كان ينطوي على مجازفة ومخاطرة لم تكن لتخفى على المأمون، وأشياعه، حيث لا بد وأن يثير تصرفه هذا حنق تلك الجماهير التي كانت في قمة الهيجان العاطفي، ويؤكد كراهيتها له.. وعلى الأقل لن تكون مرتاحة لتصرفه هذا على كل حال.

وبعد هذا.. فإنه إذا كان المأمون يخشى من مجرد إقامة الإمام للصلاة.. فلا معنى لأن يلح عليه هو بقبولها.. وكذلك لا معنى لأن يخشى ذلك الهيجان العاطفي، وتلك الحالة الروحية، التي أثارها فعل الإمام (عليه السلام) وتصرفه في هذا الموقف.. فذلك إذن ما لم يكن يخافه ويخشاه.. فمن أي شيء خاف المأمون إذن؟! إنه كان يخشى ما هو أعظم
الصفحة 357
وأبعد أثراً، وأشد خطراً.. إنه خشي من أن الرضا إذا ما صعد المنبر، وخطب الناس، بعد أن هيأهم نفسيا، وأثارهم عاطفيا إلى هذا الحد ـ خشي ـ أن يأتي بمتمم لكلامه الذي أورده في نيشابور: «وأنا من شروطها..» وأنه ظهر إليهم على الهيئة التي كان يخرج عليها النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، ووصيه علي (عليه السلام) وهو أمر جديد عليهم.. ما من شأنه أن يجعل المأمون وأشياعه لا يأمنون بعد على أنفسهم، كما ذكر الفضل بن سهل.. ولسوف يحول الإمام مرواً من معقل للعباسيين والمأمون، وعاصمة، وحصن قوي لهم ضد أعدائهم ـ من العرب وغيرهم ـ سوف يحولها إلى حصن لأعداء العباسيين والمأمون، حصن لأئمة أهل البيت. ففضل المأمون: أن يختار إرجاعه (عليه السلام) عن الصلاة، لأنه رأى أن ذلك هو أهون الشرين، وأقل الضررين..

ولقد جرب المأمون الرضا أكثر من مرة، وأصبح يعرف أنه مستعد لأن يعلن رأيه صراحة في أي موقف تؤاتيه فيه الفرصة، ويقتضي الأمر فيه ذلك. ولم ينس بعد موقفه في نيشابور، ولا ما كتبه في وثيقة العهد، ولا غير ذلك من مواقفه (عليه السلام) وتصريحاته في مختلف الأحوال والظروف..

الموقف الحادي عشر:

وأخيراً.. فقد كان سلوك الإمام (عليه السلام) العام، سواء بعد عقد ولاية العهد له، أو قبلها. يمثل ضربة لكل خطط المأمون ومؤامراته، ذلك السلوك المثالي، الذي لم يتأثر بزبارج الحكم وبهارجه..

ويكفي أن نذكر هنا ما وضعه به إبراهيم بن العباس، كاتب القوم وعاملهم، حيث قال: «ما رأيت أبا الحسن جفا أحداً بكلامه قط، وما رأيته قطع على
الصفحة 358
أحد كلامه حتى يفرغ منه. وما رد أحداً عن حاجة يقدر عليها، ولا مد رجليه بين يدي جليس له قط. ولا اتكأ بن يدي جليس له قط، ولا شتم أحداً من مواليه ومماليكه قط، ولا رأيته تفل قط، ولا رأيته يقهقه في ضحكه قط، بل كان ضحكه التبسم. وكان إذا خلا، ونصبت مائدته أجلس معه على مائدته مماليكه، حتى البواب والسائس.

وكان قليل النوم بالليل، يحيى أكثر لياليه من أولها إلى الصبح. وكان كثير الصيام، فلا يفوته صيام ثلاثة أيام في الشهر، ويقول: ذلك صوم الدهر. وكان كثير المعروف والصدقة في السر، وأكثر ذلك يكون منه في الليالي المظلمة، فمن زعم أنه رأى مثله في فضله، فلا تصدقوه..»(1).

وهذه الصفات بلا شك قد أسهمت إسهاماً كبيراً في أن يكون الإمام (عليه السلام) هو الأرضى في الخاصة والعامة، وأن تنفذ كتبه في المشرق والمغرب، إلى غير ذلك مما تقدم..

الحكم ليس امتيازاً وإنما هو مسؤولية:

وقد اعترض عليه بعض أصحابه، عندما رآه يأكل مع خدمه وغلمانه، حتى البواب والسائس، فأجابه (عليه السلام): «مه، إن الرب تبارك وتعالى واحد، والأم واحدة، والأب واحد، والجزاء بالأعمال..»(2).

وقال له أحدهم: أنت والله خير الناس، فقال له الإمام: «لا تحلف يا هذا، خير مني من كان أتقى لله تعالى. وأطوع له، والله ما

____________

(1) كلام إبراهيم بن العباس هذا معروف ومشهور، تجده في كثير من كتب التاريخ والرواية، ولذا فلا نرى أننا بحاجة إلى تعداد مصادره.

(2) البحار ج 49 ص 101، والكافي الكليني، ومسند الإمام الرضا ج 1 قسم 1 ص 46.

الصفحة 359
نسخت هذه الآيةSadوجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم..)(1).

وقال لإبراهيم العباسي: إنه لا يرى أن قرابته من رسول الله (صلى الله عليه وآله) تجعله خيراً من عبد أسود، إلا أن يكون له عمل صالح فيفضله به(2).

وقال رجل له: ما على وجه الأرض أشرف منك آباء. فقال: التقوى شرفهم، وطاعة الله أحظتهم(3).

وما نريد أن نشير إليه ونؤكد عليه هنا، هو أنه (عليه السلام) يريد بذلك أن يفهم الملأ: أن الحكم لا يعطي للشخص ـ من كان، ومهما كان ـ امتيازاً، ولا يجعل له من الحقوق ما ليس لغيره، وإنما الامتياز ـ فقط ـ بالتقوى والفضائل الأخلاقية.. وكل شخص حتى الحاكم سوف يلقى جزاء أعماله: إن خيراً فخير، وإن شرا فشر، وعليه فما يراه الناس من سلوك الحكام، ليس هو السلوك الذي يريده الله، وتحكم به النواميس الأخلاقية، والإنسانية. والامتيازات التي يجعلونها لأنفسهم، ويستبيحون بها ما ليس من حقهم لا يقرها شرع، ولا يحكم بها قانون..

وبكلمة مختصرة: إن الإمام (عليه السلام) يرى: أن الحكم ليس امتيازاً، وإنما هو مسؤولية.

وعلى كل حال.. فإن سلوك الإمام (عليه السلام)، لخير دليل على ما كان يتمتع به من المزايا الأخلاقية، والفضائل النفسية.. ويكفي أنه لم يظهر منه (عليه السلام) طيلة الفترة التي عاشها في الحكم إلا ما ازداد به فضلاً بينهم، ومحلاً في نفوسهم، على حد تعبير أبي الصلت. وعلى حد تعبير شخص

____________

(1) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 236، ومسند الإمام الرضا ج 1 قسم 1 ص 46.

(2) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 237.

(3) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 236. ومسند الإمام الرضا ج 1 قسم 1 ص 46.

الصفحة 360
آخر: أقام بينهم لا يشركهم في مأثم من مآثم الحكم.. بل لقد كان لوجوده أثر كبير في تصحيح جملة من الأخطاء والانحرافات التي اعتادها الحكام آنئذٍ.. حتى لقد استطاع أن يؤثر على نفس المأمون، ويمنعه من الشراب والغناء، طيلة الفترة التي عاشها معه، إلى آخر ما هنالك، مما لسنا هنا في صدد تتبعه واستقصائه.

وفي نهاية المطاف نقول:

وحسبنا هنا ما ذكرنا من الأمثلة، التي نحسب أنها تكفي لأن تلقي ضوءاً كاشفاً على الخطة التي اتبعها الإمام (عليه السلام) في مواجهة خطط المأمون ومؤامراته.. تلك الخطة التي كانت تكفي لأن لا تبقى الصورة التي أرادها المأمون في أذهان الناس، ولا مبرر للشكوك لأن تبقى تراود نفوسهم.

ولقد نجحت تلك الخطة نجاحا أذهل المأمون، وأعوانه، وجعلهم يتصرفون بلا روية، ويقعون بالمتناقضات.. حتى لقد أشرف المأمون منه على الهلاك. حسبما صرح به المأمون نفسه. وكانت النتيجة أن دبر فيه المأمون بما يحسم عنه مواد بلائه، كما وعد حميد بن مهران، وجماعة من العباسيين.

https://ahlalbayt12.7olm.org

Admin


Admin

الحقد الدفين:

وأخيراً.. فإن ما أقدم عليه المأمون من الغدر بالإمام (عليه السلام) ودس السم له لخير دليل على فشل المأمون في سياسته، الفضل المزري والمهين.. حتى إنه عندما عجز عن أن ينال من الإمام (عليه السلام) حياً أراد أن ينال منه ميتاً، بدافع من حقده الدفين، الذي لم يعد يستطيع أن يتحمل مضاعفاته، فكتب إلى السري عامله على مصر، يخبره بوفاة الرضا، ويأمره بغسل المنابر، التي دعي له عليها، فغسلت.. كما تقدم.. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن الحقد كان قد أكل قلبه، وأعمت البغضاء بصره وبصيرته..

كما أنه يدل على خسة في النفس، وإسفاف في التفكير، وشعور بالعجز، وبالنقص أيضاً.

.وأما إكرامه للعلويين.. فقد تقدم تصريحه في كتابه للعباسيين: بأن ذلك ما كان منه إلا سياسة ودهاء.. وتقدم أنه بعد وفاة الرضا (عليه السلام)
الصفحة 420
قد أخذهم بلبس السواد، ومنعهم من الدخول عليه.. وأنه كان يختلهم واحداً فواحداً حسب ما كتب إليه عبد الله بن موسى.

وسيأتي بيان أنه قتل سبعة من إخوة الإمام (عليه السلام). وأنه أمر الولاة والحكام بالقبض على كل علوي.

وأما ما ذكره أحمد أمين: من كثره خروج العلويين عليه.

فإننا لم نجد، ولم نسمع ذكراً في التاريخ لثورة قامت ضد المأمون، بعد وفاة الرضا (عليه السلام) إلا ثورة عبد الرحمن بن أحمد في اليمن، والتي كانت باتفاق المؤرخين بسبب جور العمال، وظلمهم.. وسوى ثورة إخوة الإمام الرضا (عليه السلام) طلباً بثأر أخيهم .



المصدر
--------
الحياة السياسية
للإمام الرضا (عليه السلام)
دراسة وتحليل

تأليف
السيد جعفر مرتضى الحسيني العاملي

https://ahlalbayt12.7olm.org

الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى